| P. Dr. Abou Yaa...'s profileAbou Yaareb MARZOUKI أبو...PhotosBlogLists | Help |
|
Abou Yaareb MARZOUKI أبو يعرب المرزوقيFebruary 06 المسألة الشيعية كيف يمكن علاجها ؟المسألة الشيعية كيف يمكن علاجها ؟ (رسالة مفتوحة إلى السيد حسن نصر الله)
أبو يعرب المرزوقيجامعة تونس الأولى
علتان تحولان دون المرء وعدم الكلام في المسألة الشيعية بعد أن استفحل الخلاف بين مذهبي الأمة الرئيسيين بفعل تأجيج الأعداء لمرض عضال أصاب الأمة منذ الفتنة الكبرى وحان أوان علاجه الجذري حتى لا تذهب ريح الأمة: فأما العلة الأولى فهي ما وصل إليه حال المسلمين في هذا الظرف العصيب وضرورة علاج العلاقة بين السنة والشيعة علاجا عقليا هادئا علنا نصل إلى فهم الداء فنكتشف الدواء. وهو ما كنت سأعرضه على السادة الحاضرين لندوة تقريب المذاهب التي دعيت إليها ولم احضر بسبب ما كنت أتوقعه من انحصار اللقاء في أعراض المرض السياسية من المسألة وإهمال محددات فهمهما العلمي. وأما العلة الثانية فهي ما سمعته من رد تفوه به السيد حسن نصر الله في إحدى خطبه الأخيرة متكلما عن عالمين سنيين جليلين هما القاضي أبو بكر بن العربي وعبد الرحمن بن خلدون لم يذكرهما بالاسم لكنه لمح إليهما تلميح اتهام معتبرا رأييهما في مقتل الحسين تبريرا لجريمة زياد بن معاوية.
اتهام عالمين جليلين لا مبرر له يعلم الجميع أنه لا يوجد بين السنة من يمكن أن يتهم بالحط من شأن آل البيت خلال كل التاريخ الإسلامي. فهم يعتبرون عليا خليفة راشدا. وهم يضعون ابنيه في المنزلة التي يضعهما فيها الرسول الأكرم. وهم ينزلون الزهراء المنزلة التي كانت لها في قلب أبيها. وهم لا يسلمون بشرعية معاوية بل هو عندهم العلامة على نهاية الخلافة الراشدة. وهم يجمعون على تفسيق يزيد. والأهم من ذلك كله أخيرا أنهم لا يوظفون آل البيت في معارك سياسية داخلية لتأجيج الحرب بين قبائل الأمة (بين آل البيت وآل أبي سفيان في قريش) أو بين شعوبها (الشعوبية بين العرب والفرس في الأمة) بل وضعوا نظريات ثورية لتحرير الأمة من أدوائها لكي تتمكن من الاستئناف السوي بعد الفتنة: نظرية عدم التأثيم التي حللها ابن خلدون في المقدمة. لا أحد من السنة خاصتها وعامتها أقدم على هذه التجارة لأنها خاسرة في الدنيا والآخرة حتى عند الظن بأنها رابحة في احداهما على حساب اخراهما. ذلك أنهم ينزهونهم عن مثل هذه الدنايا. وفي هذا السياق جاء كلام القاضي أبي بكر ابن العربي وكلام العلامة ابن خلدون في مقتل الحسين بن الإمام علي كرم الله وجهه. فالأول لم يقل إن الحسين قد قتل بسيف جده بل قال قتل بشرع جده. والفرق شاسع. والأمانة واجبة. على العلماء خاصة. وهو لم يتهمه بالخروج بل بتكليف نفسه ما ليس بوسعها. فلا يمكن لقاض من حجم ابن العربي أن يزل مثل هذه الزلة. لا يمكن أن يتهم حفيد رسول الله بالخروج بمعناه عند الخوارج خاصة ويزيد يفسقه السنة بإجماع علمائهم. إنما هو قد اعتبره خرج عن سنة الرسول في الدعوة ومقاومة الشر: فلو اتبع الحسين سنة الرسول في مقاومة الشر لطبق أولى القواعد أعني تحقيق شروط النجاح فيه حتى لا يعطي للشر فرصة الانتصار على الخير. لذلك فقد مر الرسول الكريم نفسه بالمراحل الثلاث في استراتيجية مقاومة الشر: بدأها بالقلب ثم انتقل إليها باللسان ليصل في الغاية إلى مرحلة المقاومة باليد بعد أن حقق شروط النجاح. أما ابن خلدون فهو قد فسر رأي ابن العربي بهذا المعنى الذي وصفنا فقال في إطار تبرئة الحسين رضي الله عنه مما قد يظن به من طلب للحكم معتبرا إياه قد ثار على فسق يزيد:" وأما الحسين فإنه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم فيقوموا بأمره. فرأى الحسين أن الخروج على يزيد متعين من أجل فسقه لا سيما من له القدرة على ذلك وظنها في نفسه بأهليته وشوكته. فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة. وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها لأن عصبية مضر كانت في قريش وعصبية قريش في عبد مناف وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه وإنما نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحي وتردد الملائكة لنصرة المسلمين" (المقدمة دار الكتاب اللبناني ط.3 ص. 382-3 بيروت ص1967). هل في هذا اتهام للحسين بالخروج وهل هو تبرير لمقتله؟ أم هو فهم لما حصل وتعليل علمي؟ أليس ذلك الشرط الضروري والكافي لتحرير المسلمين من عقدهم حتى تعود الأخوة بين فرق الأمة بعد فهم العلل الموضوعية لما حصل وتبادل العذر بين الفرقاء؟ فابن خلدون لم يبرئ يزيد بل فسقه بل أكد على إجماع الكافة على فسقه ولم يتهم الحسين بالخروج بمعناه عند الخوارج بل هو اعتبره ثائرا ضد الفسق ولم يحصر المسألة في الحسين بل هو اعتبر شيعة آل البيت من فضلاء الأمة الذين شاركوا السنة في الحكم بفسق يزيد وضرورة السعي لإصلاح شأن الأمة. ومعنى ذلك أن الأمة لم تزل عندئذ على وحدتها فلم يثر الحسين لأنه شيعي بل لأنه مسلم فحسب. أما القول إنه قتل بشرع جده وليس بسيف جده كما ورد في الخطاب فإنه يعني أنه لم يطبق سنة رسول الله في الدعوة إلى الحق التي تشترط توفير الأدوات التي تحقق الغايات: وهو ما اعتبره ابن خلدون خطأ سياسيا وليس خطأ شرعيا.
متى سيخرج حزب الله من الازدواجية
ولهذه العلة يصح القول إن حزب الله في لبنان لا يُفهم فعله إلا بالاستراتيجية المحمدية ولا يُفهم خطابه إلا بالاستراتيحية الحسينية: فيكون في شبه فصام يحول دونه والدور الإيجابي المنتظر منه في توحيد الأمة بتحرير التشيع من تهمة الصفوية ويعود به إلى حب آل البيت الخالص وعلى رأسهما محمد ومن أحب أعني كل صحابته وأمهات المؤمنين. فهو لا يقتصر على الثورة على الظلم والعدوان الذي يبني عليه دعايته وهي جزء من الترسيب الذي ينبغي التحرر منه من أجل الغايات الاستراتيجية المشروطة بوحدة الأمة بل هو يحقق شروط النجاح فيها بأسباب العلاج التي تقتضيها سنن التاريخ والكون كما يصفها القرآن الكريم وسنة جد الحسين التي اعتبره ابن خلدون ومن قبله القاضي أبو بكر بن العربي قد قتل بسبب عدم اتباعها في معركة الخير والشر: يتحالف حتى مع أمراء الحرب الأهلية في الحكومة للحفاظ على القدر الأدنى من تماسك الجبهة الداخلية ويحارب بالجمع بين منطق الكر والفكر ومنطق التخندق ردا على عدم توازن القوى بمطاولة الضعيف ماديا والقوي روحيا على العدو الذي اختار استراتيجية المناجزة لضعفه الروحي وقوته المادية. ما قاله العالمان السنيان حزب الله لم يقله لكنه فعله ما يفيد أكثر منه. فهو قد فهم علة فشل الحسين بمجرد أن برهن على دهائه الاستراتيجي في منازلة أخبث خلق الله تماما كما تعلمنا من السنة المحمدية التي ردت كيد أجدادهم: فالعمل الحقيقي من أجل الخير ليس مجرد الثورة على الشر بل الثورة التي توفر شروط النجاح عليه لئلا تكون فرصة تجعله ينتصر فتتكون العقد ويزداد العداء بسبب الحقد الدفين بين البشر. والمنتصر إذا كان صاحب دعوة إلى الحق لا يحقد ولا يكره بل هو يجمع بين جمال العلم ومهابة الحلم: وتلك هي أخلاق رسول الله كما تبينت يوم الفتح الأكبر فلم لا نجدها في خطاب الشحن الطائفي المليء حقدا وكراهية في المآتم التي تسمى أعيادا ؟ متى يشفى الغليل من يزيد الذي لست أعلم كيف أصبح رمز السنة رغم كونها فسقته بالإجماع ؟ وموقف الجماعة السنية من الخوارج يوم خذلوا رابع الخلفاء الراشدين هو من جنس موقف الجماعة الشيعية من فسق يزيد دلالة على وحدة الأمة. دعوة الحسين لإصلاح شأن الأمة وتحريرها من فسق خليفتها يمكن أن يحسب لهم لو لم يخذلوه عندما احتدم القتال: فالخوراج خذلوا رابع الراشدين فغضبت السنة دون مذهبية وزيد فسق فغضبت الشيعة دون مذهبية أو هكذا عرض ابن خلدون الأمر. وذلك هو المطلوب في تحقيق وحدة الأمة. فلا يمكن اليوم أن يحالف الشيعي أمريكا لغزو العراق بالفعل ثم يزعم محاربتهم لتحرير فلسطين بالكلام. لكن السنة لم يغيروا حكمهم في الخوارج فهم قد اعتبروهم خارجين من الإسلام لخروجهم على الخليفة الشرعي ولا يزالون على هذا الحكم: وهم الذين يهزمون أمريكا في العراق وفي فلسطين وليست دولهم المحالفة لأمريكا هي التي تقاوم بخلاف زعم دولة الشيعة التي هي نفسها الحليف بالفعل هناك والخصيم بالقول هنا. ولو كانت السنة مذهبية تعتبر عليا شيعيا لكان الخروج عليه لصالحها فأيدته. السنة لا ينظرون إلى الأمر بهذه العين المذهبية بل هم اعتبروهم خرجوا على أمير المؤمنين الشرعي. ولما كانوا يفسقون زيادا وينفون شرعية معاوية بمجرد اعتباره نهاية الرشد في إمارة المؤمنين فإنه لا يمكن أن يكونوا قد اعتبروا الحسين خارجيا كما يتصور السيد حسن نصر الله في تعريضه غير الأمين لرأي هذين العالمين الجليلين انتقالا من القول إنه قتل بشرع جده إلى القول إنه قتل بسيفه. ولما كنت ممن يحسن الظن بالسيد حسن نصر الله فإني اعتبر ذلك من الزلات التي تنتج عن الغفلة أو السهو. ومن ثم فهي ليست مبررا كافيا لاتهام حسن القصد ممن لا يزال عندي أحد أبطال الأمة دون منازع بل هو عندي الأمل الوحيد في درء الفتنة الطائفية ليس في لبنان وحده بل وكذلك في العراق لو قرر أن يستقل قليلا عن المرجعية التي يصعب أن تتحرر من سياسة الدولة التي قد يكون فيها رجال الدين الصادقين ضحايا للنزعة القومية في إيران كما يحصل عندنا. فمن يدري فلعل غباء بعض العرب يساعد النزعة القومية في إيران في تصديها للنزعة الإحيائية لقيم القرآن في الثقافة الإسلامية ومن ثم التخلص مما هو عربي بإطلاق قصدت السادة المشرفين على التراث الشيعي الذي هو في الجوهر إسلامي ويعتز به كل مسلم أيا كان مذهبه خاصة إذا خلصناه مما سنصف في هذه الرسالة.
تشخيص الداء ما العلة إذن في بقاء الأمة ضحية للمعاناة منذ الفتنة الكبرى إلى اليوم ؟ لم بقي المسلمون خلال التاريخ الإسلامي كله ومنذ وفاة الرسول الكريم منقسمين إلى عشر يحاسب الأعشار التسعة الأخرى بذنب لم يرتكبوه بل ارتكبه جدود طالبي الحساب لا المطلوب منهم لو كان يحق لنا أن نحمل الأجيال الخالفة مسؤولية الأجيال السالفة؟ من دعا الحسين واعدا إياه بالقيام بأمره ثم خذله ؟ أليس طالبوا الحساب اليوم هم خلائف أولئك الذين تخلوا عن نصرة الخليفة الرابع وخذلوا حفيدي رسول الله بعد أن غرروا بثانيهما لفشلهم في محاولة التغرير بأولهما الذي نأى بنفسه عن تفريق الأمة ليس خوفا على نفسه بل عملا بسنة جده: لا يمكن أن يمر المرء إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد إلا إذا تحققت الشروط ولم يكن الضرر الذي يمكن أن يحصل أكبر من الضرر الذي يراد إزالته ؟ كل خصائص المسألة الشيعية في ضمير المتشيعين والمتسننين المسألة التي تعصف بالأمة فعلا وانفعالا كانت منذئذ كلها بلا استثناء عائدة إلى عقدة الذنب التي تولدت عن هذه الجريمة التي لطخت تاريخنا جميعا: وطرفاها من السنة حزب يزيد الذين تفسقهم السنة بالإجماع وحزب الحسين الذين تخلوا عنه وكان ينبغي تحميلهم مسؤولية الخذلان عند النزال. وإذن فالسنة حتى في ذلك الحين فضلا عن الأجيال اللاحقة من كلا الفريقين كلهم براء من جريمة يزيد على الأقل لموقفهم المبدئي من تفسيقه أما الشيعة فإن جيل الحسين ليسوا أبرياء من جريمة التخاذل الذي جعلهم يتركون الحسين للمصير المعلوم والأجيال اللاحقة لا تثريب عليها وهي بالانتقام له تقترف ذنوب الأولاد والأحفاد ولا تكفر عن ذنوب الأجداد. تحميل جمهور المسلمين الحاليين مسؤولية ما لا يد لهم فيه شيعة كانوا أو سنة لأن الذنوب لا تورث والمسؤولية شخصية (كل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) هو إذن نوع من الإسقاط المرضي الذي ينبغي أن يعالج لئلا تذهب ريح المسملين. ذلك أن البحث التاريخي يبين أن جمهور السنة أقل مسؤولية من جمهور الشيعة في ما حصل لحفيدي رسول الله. فهم لم يغرروا بهما ولم يسعوا إلى إيصال أحدهما إلى ما نعلم ليتخلوا عنه في معركة خاسرة بحسابات فقه الحرب الإسلامية فقهها الذي لا يحمل نفسا إلى وسعها. والغريب أن هذا الحكم يصح كذلك على يزيد الثاني أو صدام حسين: فحزبه لم يكن سنيا بل هو يعد من منظور الفقه السني حزبا خارجا عن الدين بإطلاق وعصبية حزبه المؤسسين كانت بالأساس شيعية على الأقل في البدء. ثم إن كل جرائمه كانت ضد السنة. ومع ذلك فلست أدري كيف بات صدام ممثلا للسنة التي عليها أن تدفع الحساب بديلا منه! وهكذا فإن المذنبين-إن صح تحميل الذرية ذنب الأصول- لم يكتفوا برمي ذنبهم على غيرهم بل هم خلال كل التاريخ تحركهم إرادة الانتقام من السنة بعد تحميلهم جريرة خذلانهم لآل البيت أمام جور بعض الحكام: تلك هي المسألة الشيعية عند النظر إلى ما انجر عنها من أعراض مرضية يصورونها للعامة حبا لآل البيت وهي في الحقيقة من أدوات الترسيب المضر بالأمة. ذلك أنه لا يمكن أن يكون حب المسلم الحسين أكبر من حبه عليا أو من حبه محمدا: فلم لا يحتفل بطعن علي ولا بوفاة الرسول تسليما بأن طعن عمر أو قتل عثمان يمكن أن يكونا أقل شأنا عند من يميز بين الصحابة بغير وجه حق. فهل يمكن لعقلاء الأمة وحكمائها-ولست أشك في أن السيد نصر الله من أفاضلهم- أن يعالجوا هذه الأعراض بمعنيي العلاج فهما وتطبيبا فيكون العدوان الأمريكي والإسرائيلي على الجميع فرصة لتوحيد الأمة من أجل المستقبل وتحريرها من أفسد ما في ماضيها لتلتفت إلى مهماتها الجليلة في قيامها بواجبات الرسالة أعني المساعدة في تحرير البشرية والعالم من شرور العولمة ؟ إلى متى سيظل الشيعي يسعى إلى الانتقام من قتلة الحسين في حين أن قتلته الفعليين هم الذين دعوه ثم خذلوه أعني جدود أصحاب الترسيب الذي يشق وحدة الأمة فيجعل أعداءها يستأسدون عليها ؟ فأما العلاج بمعنى التحليل من أجل الفهم فهو تاريخي ويستهدف حل عقد الماضي في المستويين الحدثي وما حمل عليه من توظيف إيديولوجي في النزعات القومية التي ينبغي أن ننزه منها التشيع الصادق أعني ما يمكن أن نقول إنه المشترك بين جميع المسلمين من حب لآل البيت وفخر ببطولة الخليفة الرابع وصرامته الخلقية وصدقه في صحبة الرسول الكريم وخدمة الرسالة. وأما العلاج بمعنى التشخيص من أجل التطبيب فهو استراتيجي ويستهدف وصف الحلول التي ترجع التآخي بين المسلمين ليفرغوا إلى ما يمكن أن يأتي على مستقبل الإسلام والمسلمين إذا تفرقوا فلم يتصدوا متواصين بالحق ومتواصين بالصبر. لكن هذين الوجهين ليسا إلا فرعين من المسألة إذ هما تابعان لأصل عميق يمثله وهم مزدوج صدر عن التوظيف الإيديولوجي الذي أفسد التشيع الصادق. فتوظيف التشيع الإيديولوجي في الصراع القومي بين العرب والفرس ثمرة لتعالي الأولين باسم الحاضر وتفاخر الثانين باسم الماضي أصبح أهم مطايا انبعاث الحضارة الفارسية في شكل رد فعل شعوبي على فعل أكثر منه شعوبية. وقد بلغ رد الفعل ذروته في السياسة القومية للعهد الصفوي في صراعه مع الخلافة العثمانية التي كانت سنية بالأساس فاكتمل في القومية بمعناها الغربي الحديث الذي أجج الصراع بين قوميات الإسلام الخمس التي يعود إليها فضل بناء الحضارة الإسلامية الكلاسيكية قصدت العرب والترك والفرس والكرد والبربر فأعماهم عن الخطر الأستراتيجي الذي يتهدد الأمة: فأما الوهم الأول فهو وهم الخلاف العقدي ويتعلق بمنزلة الحكم في الدين إذ بات الشيعي يعتبره جزءا من العقيدة بل الجزء الأساسي ومن ثم تحول الدين إلى سياسة وأصبحت كل سياسية دينية فعادت الأمة إلى كاثوليكية ذات بابوية متخفية. وأما الوهم الثاني فهو وهم الخلاف الثقافي الناتج عن ترسيب ردود الفعل التي تميز سلوك كل أقلية تشعر بالغبن ترسيبا قصديا لخدمة الغرض الإيديولوجي لكأن السنة تنفي على علي كونه خليفة راشدا أو لا تحب آل البيت الحب الصادق. وبين أن فرعي هذا الوهم يتغاذيان: كلاهما يغذي الثاني ويغتذي منه. وبذلك تصبح المسألة الشيعية مربعة الأبعاد. فإما بعداها الأولان فيصدران عن توظيف التشيع توظيفا إيديولوجيا آل إلى الغلو في الدين وفي العداء الثقافي بين أعرق شعبين من شعوب الأمة في بناء الحضارة الإسلامية: منزلة الحكم الذي صار ركنا من الدين وترسيب ردود الفعل ترسيبا صيرها عداء ثقافيا. وأما بعداها الأخيران فينتجان عن عدم علاج الوهمين الأولين اللذين أصبحا دائين ينخران جوهر الإسلام وقيام الأمة أعني: العداء التاريخي والعمى الاستراتيجي بين المسلمين بكل فرقهم. ولما كان من المعلوم أن علاقة العلية تنقلب عند البحث فيها من منظور مطالب المستقبل بات من الواجب أن نقدم النتائج (مسألة الحكم ومسألة ترسيب ردود الفعل إلى أن صارت صداما ثقافيا) التي ترسبت في الوعي الجمعي على المقدمات (العداء التاريخي والعمى الأستراتيجي) لأنها أصبحت أخطر على مصير الأمة كما يبتين ذلك من تحديد طبيعة الخطر الاستراتيجي الذي يتربص بالمسلمين. لذلك فسنفحص الأبعاد على الترتيب التالي: 1- كيف صار الحكم صراعا عقديا؟ 2- كيف صار ترسيب ردود الفعل صراعا ثقافيا؟ 3- كيف تكثف العداء التاريخي؟ 4- وكيف آل كل ذلك إلى العمى الاستراتيجي؟ 5- الخطر الاستراتيجي ما هو ولم لا مرد له من دون وحدة المسلمين؟
البعد الأول: وهم الخلاف العقدي في مسألة الحكم
إذا حررنا التشيع من التوظيف العقدي والترسيب المغرض لشق وحدة الأمة آل الخلاف بين السنة والشيعة في مسألة الحكم إلى المقابلة التالية التي صاغها الغزالي في فضائح الباطنية: ولاية الأمر تكون بالوصية عند الشيعة وتكون بالاختيار عند السنة. لكن التاريخ يثبت أنه لا السنة طبقت مبدأ الاختيار ولا الشيعة طبقت مبدأ الوصية. فتاريخ الحكم السني يبين أن السنة انتهت إلى الوراثة في الحكم وحصرت حكم الدين في الاحتكام إلى الشريعة التي يمثلها العلماء. وتاريخ الحكم الشيعي يبين أنها انتهت إلى الوراثة في واقع الحكم وحصرت واجب الحكم في المختفي فحصر حكم الدين في الاحتكام إلى الشريعة التي يمثلها العلماء حتى وإن كان لهم دور أكبر مما عليه الشأن عند السنة بسبب هذا الفصل بين الحكم من حيث هو أمر واقع والحكم من حيث هو أمر واجب. وفي الحقيقة فإن الفرق بين الفرقتين نفسه لم يبق موجودا حتى في التمييز بين الواقع والواجب. ذلك أن السنة بمجرد أن أصبحت الخلافة ملكا عضوضا قابلوا بين الخلافة الراشدة والخلافة غير الراشدة فباتوا مثل الشيعة يميزون بين الحكم من حيث هو أمر واقع والحكم من حيث هو أمر واجب. ولما كان علي رضي الله عنه أحد رموز الخلافة الراشدة فإنه يعد أيضا جزءا من واجب الحكم قبالة واقعه فيكون السني بنحو ما متشيعا لعلي تشيعه للخلفاء الراشدين الآخرين. فيزول الخلاف من أصله لو أن الشيعة لم يحصروا مثال الحكم الأعلى في أحد الخلفاء بل عمموه على الخلفاء الراشدين حتى من أجل وحدة الأمة واستراتيجية بناء مستقبلها في استئنافتها التاريخية: إلى متى نضحي بالمستقبل باسم عداوات الماضي التي أكل عليها الدهر وشرب ؟ كيف ينسى الفرنسي والألماني خمسة حروب بين أمتيهما – وهما أمتان- خمسة حروب اثنتان منها كانتا عالميتين ومات فيها عشرات الملاييين من أجل المستقبل ونحن-الذين ورثنا عنهم النزعة القومية المقيته- أمة واحدة لم يجر بيننا من الدم ما جرى مثله في أدنى معاركهما وليس في معاركنا لأي من جمهور الفريقين ذنب؟ فالمعركة بين السنة والشيعة هي إما بين حكام فاسدين أو بين حكام متشاطرين يريدون أن يوظفوا مثل هذه الجلائل في حساباتهم القصيرة من أجل نزعات قومية جاء الإسلام لتحرير البشرية منها والارتفاع بها إلى الأخوة البشرية بدءا بالأخوة الدينية وختما بالأخوة الخالصة. أليس من قصر النظر أن تلعب إيران لعبة الصين فتسعى إلى تلهية أمريكا بحطب حروب من أجوارها من أجل تحقيق حلمها القومي مضحية بالشيعة العربية التي هي أصل التشيع: فكل مرجعيات الشيعة لا تكون من الأسياد إذا لم تكن من عترة النبي ومن ثم فزعامتها الروحية ينبغي أن تكون عراقية أو لبنانية إذا كانت حقا روحية ودينية لا إيرانية إلا إذا كانت سياسية دنيوية.
البعد الثاني: وهم ترسيب ردود الفعل ومثلما أن التوظيف الصفوي للتشيع قد أفسده فإن الرد القومي العربي على الصفوية قد أفسد العروبة وهو لحسن الحظ لم يمس السنة لأن القومية العربية بزعم أصحابها علمانية. لكن ما أفسد السنة هو توظيفها السلفي: فطلب النقاء العقدي الذي هو محمود تحول إلى حرب على التشيع والتصوف دون تمييز حتى بات دفاعا عن الأموية. وفي ذلك خروج عن الموقف السني النزيه. وبذلك فإن فعل الترسيب القصدي لآثار الخلاف أخرج المقابلة بين الواقع والواجب عند الفريقين أخرجها عن بعدها الموجب فأضفى عليها من السلبية ما جعل الخلاف يزداد حدة. فقد أصبحت المقابلة مقابلة بين واقعين ينتجان عن شطر الخلافة الراشدة نفسها. فأصبح الراشد الوحيد هو علي وفسق الثلاثة الآخرون عند الشيعة. ثم جاء رد الفعل السني فعمم الرشد حتى على الأمويين كأن الأمر يتعلق بشفاعة الخليفة الثالث في بني أمية بخلاف ما أجمع عليه علماء السنة. وطبعا فحصر الرشد في علي يكذبه علي نفسه: لا يوجد نص واحد اتهم فيه علي الخلفاء المتقدمين عليهم بعدم الرشد حتى لو تصورناه أكثرهم رشدا. وتعميم الرشد على الأموية يكذبه كل علماء الأمة من السنة. وبذلك يتبين أن الوهم الثاني هو الذي يغذي الوهم الأول فيحول دون زواله الفعلي الذي بينا بل هو يعمقه. وهذا الوهم هو الذي يجعل الوصية تصبح وراثية بالمعنى العضوي للكلمة وليست بالمعنى العقدي كما يقتضي ذلك القرآن وجوهر الثورة المحمدية. وهو الذي يجعل الخلافة تصبح وراثية بنفس المعنى في أي أسرة مسملة استبدت بالحكم! فبدلا من وصية "والأرض يرثها عبادنا الصالحون" وهو مبدأ يوحد كل المسلمين لإجماعهم عليه إذ فيه يكون شرط الوراثة صفة من صفات الإيمان أصبحت الوراثة في آل البيت فيكون شرطها صفة من صفات النسل (آل البيت) أو في أي بيت مسلم فيكون شرطها صفة من صفات قوة العصبية المغتصبة للحكم. وهذا أيضا ينفيه علي نفسه ويجمع على عدم سلامته كل علماء الأمة. فلنفرض أن عليا كان أول من تولى الخلافة أفكان ذلك يعني أن غيره من الصحابة لم يكن أهلا لأن يتولاها من بعده فتكون حكرا على ذريته ويبقى علي مع ذلك إسلامه محمديا ؟ ما الفرق عندئذ بين النظام الإسلامي والنظام الملكي في كل المجتمعات القديمة ؟ عدم قدرة أي شيعي على الرد المقنع على هذا الشك يجعله يغالي فيفترض أن النبي لم يوص لعلي فحسب بل أوصى بالإمامة لعلي ولعقب علي: فيكون الحكم حقا إلهيا وليس كما يضع الإسلام مبدأه في سورة الشورى" وأمرهم شورى بينهم". أما الاغتصاب بقوة العصبية فالسنة حتى بعد القبول به تعتبره أمرا واقعا بديلا من الفوضى لكنها لا تضفي عليه الشرعية المطلقة: فهو وراثة مقبولة رضا بالمفضول في غياب الفاضل وليست وراثة مبدئية. وإذن فالمغالاة في الوصية ليست إلا رد فعل وقع ترسيبه القصدي بالاعتماد على الشعور بأن عليا قد أبعد عن الخلافة ثلاث مرات وأفسدت عليه خلافته في المرة الرابعة. والتاريخ يبين أنه لا السنة ولا الشيعة بقابلتين للاتهام في ذلك: فقد عادت قوانين السياسة إلى العمل بعد تعطلها المؤقت بفضل نور النبوة في حياة النبي. وهذه العودة هي التي تفسر التدرج في فقدان مؤسسة الخلافة المبنية على الشرعية الدينية وحدها القدرة على حكم المسلمين والعودة إلى الشرعية المستندة إلى العصبية. وهذا أمر موضوعي ليس لأي من الفرقتين ذنب فيه. وفهمه يساعد على بلسمة الجراح. لكن تطور رد الفعل وترسيبه القصدي حوله إلى موقف تكفيري لمن يتهم بإبعاد الخلافة عن علي أعني الخلفاء الراشدين الثلاثة المتقدمين عليه ثم عائشة أم المؤمنين بل وكل الصحابة الذين بقوا على الحياد فلم يتشيعوا لأولوية علي في الخلافة أو لم يعتبروا ذلك حتى لو سلمنا بصحته مدعاة لإشعال الحرب بين المسلمين: وذلك ما ابتدع التنابز بلقبي الروافض والنواصب. ذلك أن المشكل ليس هو في وجود مثل هذا الردود وترسبها بل هو في جعلها جزءا من العقيدة لتأسيس البعد الأول: جعل الحكم جزءا من العقيدة وحقا إلهيا بخلاف ما تقول كل آيات القرآن الكريم فضلا عن كون هذا الزعم لو صح لكان الإسلام نفسه أمرا لا معنى له إذ ولاية الأمر بالإرث العضوي هو جوهر اليهودية وبالسلطة الروحية للإمام هو جوهر المسيحية فتفقد الثورة القرآنية علة وجودها. وحتى يتم البناء كان لا بد لأعداء الأمة الذين يغالطون التشيع الصادق أو حب آل البيت من أن يطيحوا بمبدأ وحدة الأمة فيضربون وحدة القرآن الكريم باتهام جامعي القرآن والزعم بأن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن الذي نزل على محمد. وهذه التهمة ليست مسألة جزئية بل هي جوهر التوظيف السلبي لمحبة آل البيت أعني توظيف هذا الحب من أجل القضاء على الإسلام نفسه: أسطورة قرآن فاطمة. ولعل تعمق الترسيب والتجييش العقدي والطائفي إلى حد العزوف عن تسمية المساجد بوظيفتها كما هو الشأن عند جمهور المسلمين واعتبارها حسينيات ومن ثم إضفاء طابع المذهبية عليها هو الغاية التي ليس بعدها غاية خاصة بعد أن اكتمل الأمر فلم يبق يوم عرفة واحدا عند الفريقين!
البعد الثالث: العداء التاريخي بين الفرقتين.
الجميع متفق إذن على عدم رشد خلافة معاوية وعلى فسق زياد وعلى حب آل ألبيت وعلى انتماء الجميع للقرآن الذي نزل على محمد: فكيف يمكن أن يوجد عداء تاريخي بهذا الحجم بين الفرقتين السنية والشيعية ؟ كيف يكون التشيع واحدا في موقفه من السنة في حين أن السنة لها موقفان من التشيع أحدهما هو موقف جمهور السنة الذين لهم ما وصفنا من المشاعر إزاء آل البيت ومغتصبي الحكم من بين أمية ؟ أليس للتشيع نفس الازدواج فيكون لهم بنو أمية أعني ما يوصف بالتوظيف الصفوي للتشيع ؟ لم لا ينأى التشيع الصادق عن هذا التوظيف؟ لماذا لا نفسر الأشياء بأسبابها فنفهم أن الخلاف ليس بين جمهور المسلمين سنة وشيعة بل هو بين مغتصبي الحكم في كلا الحزبين ؟ كيف يمكن أن يكون الجمهور السني حبه لعمر لا ينفي حبه لعلي ويكون الجمهور الشيعي بالعكس من ذلك لو كان فعلا صادقا في انتسابه إلى الإسلام فيعتبر الحبين متنافيين ؟ أليس لأن الصفوية نجحت مع جمهور الشيعة بتواطؤ من علماء المذهب في ما فشلت فيه الأموية مع جمهور السنة لرفض علماء المذهب التواطؤ ؟ وأخيرا لم تخلى السنة على رمزية حصر الخلافة في قريش ولم يتخل الشيعة على حصر الإمامة في آل البيت لو كان القصد تعيين وراثة الأرض لصالح المؤمنين وإناطة ولاية الأمر بأي مؤمن تختاره الأمة لهذه المهمة ما ظل محافظا على شرع الله الذي يستمد منه شرعية حكمه ؟ أليس لأن ابن خلدون يقول بهذا الرأي خلال كلامه على نظرية المهدي وتشكيكه في نظرية الجفر اعتبر معاديا للشيعة في حين أنه كان يبحث عن الحل الذي يحرر الأمة من العداء بين السنة والشيعة ليعيد إلى الأمة وحدتها بعد أن أدرك ما يحيط بها من خطر ومكر سيء ؟ وحاصل القول إن العداء بين السنة والشيعة ليس له أصل مذهبي حديثا وإنما هو وليد الشحن الطائفي الناتج في عصرنا عن التوظيف القومي الفاعل من قبل الصفوية وراد الفعل من موقف المغلوب عند أصحاب القومية العربية لعدم انتساب العرب القوميين إلى الإسلام فضلا عن السنة بمقتضى تصورهم للعلمانية المتأثرة بالجاكوبينية الفرنسية. وهو عديم الأصل المذهبي قديما كذلك لأن الفرقتين تشتركان في حب آل البيت ولا تختلف به الشيعة عن السنة إلا بتوظيف هذا الحب توظيفا يعكس علاقة الفعل ورد الفعل إذ يعد التشيع راد فعل من موقف المغلوب لما كانت الخلافة الأموية تحكم بموقف شعوبي عربي وليس بقيم الإسلام. فإذا حررنا الجمهورين من غلو القوميتين عادت السنة والشيعة إلى فرق طفيف في تأويل مبدأ رمزي يتمثل في حصر الخلافة في من لهم نسب الرسول سواء كان من الدائرة الضيقة لأسرته المباشرة أو في الدائرة الموسعة لقبيلته. فيكون العباسي والشيعي والأموي كلهم منتسبين إلى موقف تأويلي لرمز تحرر منه الفقه السني منذ أن بات أمر الحكم غير مقصور على الرمز وحده فأصبح من الضروري أن يقدم شرط القدرة عليه ومن ثم عمم مبدأ الحكم على كل المسلمين وينبغي أن يتحرر منه الفقه الشيعي حتى يصح قول الرسول الكريم في الرعاية العامة فعلا وانفعالا: ينبغي أن يسقط شرط القرشية فيصبح بوسع كل مسلم أن يتولاه بشرط الأهلية مع القدرة وهما شرطان لا يضمنهما إلا مبدأ الانتخاب والاختيار لا الوراثة العرقية.
البعد الرابع: والعمى الاستراتيجي لقيادات الأمة.
لكي نفهم كيف ورطت أمريكا إيران ينبغي أن ندرك أن كل ما يعتبر من أخطاء أمريكا الاستراتيجية في العراق هو من عناصر الخطة التي تريد أن تورط الفرس والعرب في حرب لا تبقي ولا تذر. فبعد أن أوهمت إيران بأنها غير مدركة لخطتها في توريط أمريكا هي ذي بدأت تظهر عناصر الخطة: إنها تسعى لتوريط السعودية ومصر فتدفع إلى نسخة ثانية من الحرب العربية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات. أدرك استراتيجيو أمريكا أن أنجع الوسائل لتحقيق ما فشلت فيه الحرب الأولى أو عدم الوصول إلى السلطان المطلق على العالم الإسلامي ليست شيئا آخر غير الإعداد للحرب الطائفية. وتوريط إيران لا يمكن أن يكون إلا بتحميلها مسؤولية كل ما يجري للسنة في العراق ثم التهويل من الخطر الشيعي على المنطقة كلها لكي تستفز النعرة الطائفية المقابلة بدءا بمتطرفي السنة وختما بكل السنة. لذلك فالوقوع في أحابيل هذا المخطط سواء كان من الفرس أو من العرب هو ما يمكن أن يوصف بالعمى الاستراتيجي: فلا يمكن لأمريكا أن تسيطر على الخليج بضفتيه من دون إضعاف حماته فيهما أعني الفرس والعرب. ولا يمكن لها أن تضعفهما بقوتها الذاتية لامتناع ذلك بالذات خاصة إذا اتحدت الضفتان ثم لكون وجود الأمريكان غير المطلوب من أحد الطرفين لحمايته من الطرف الثاني يصبح عامل توحيد ليس له مثيل. لا بد إذن من إيهام العرب بأن إيران صارت قوة عظمى بل وإيهام الإيرانيين أنفسهم بذلك حتى بات بعض حكامهم يتصور نفسه قادرا على تحدي أمريكا باقتصاد هزيل لا يساوي فيه الدخل القومي الخام رقم أعمال شركة متوسطة فضلا عن كون ميزانية الدفاع الأمريكية تساوي عشرة أضعاف هذا الدخل. جعلوا الإيرانيين يقعون في نفس الأخطاء التي وقع فيها العراقيون: ألم يقولوا إن جيش العراق هو خامس جيش في العالم ؟ وهاهم الآن قد وصلوا إلى جعل رئيس إيران يتصور بلاده قادرة على محو إسرائيل من الخارطة: أي إنهم جعلوه أفضل داعية لحربهم على إيران وعلى المسلمين كلهم بإيهامه أن قنبلته حتى لو حصلت يمكن أن تخيف من يملك ملايين منها. وبدلا من السعي الجدي لتوحيد المسلمين حتى يصبحوا قادرين على المنافسة الحقيقية في مجال شروط النهوض الفعلي ومن ثم حماية ثرواتهم المادية والروحية ها نحن نتحول إلى شعوب متناحرة لخدمة مقاصد العدو البعيدة بسبب ما أصاب نخبنا من عمى استراتيجي ليس له مثيل.
البعد الخامس: الخطر الاستراتيجي الذي يتربص بالمسلمين.
ونأتي الآن إلى الخطر الاستراتيجي المحدق بالأمة ودار الإسلام. فهذه الدار يستعمرها حاليا عملاقان ويتربص بها أربعة عماليق. وإذا لم نتحد حتى بأقل أشكال الاتحاد متانة قصدت نوعا من الكومنوالث الاقتصادي والثقافي فإن الكماشة ستخنق المسلمين قبل منتصف القرن الجاري. فأما العملاقان اللذان يستعمرانها فهما الولايات المتحدة وإسرائيل. وإسرائيل عملاق ليس بالعدد ولا بالعدة بالمعنى المادي بل بسلطانها على من لهم العدة والعدد. فهي بنخبها في الغربين الأدنى (أوروبا) والأقصى (أمريكا) تسيطر على أدوات القوة الخمس أي الإعلام والاستعلام والمال والثقافة والعلم وهي بهما تحرك أداتي السياسة الدولية الظاهرتين أي الدبلوماسية والعسكرية الغربيتين. ولا ينبغي أن ننسى علاقاتها بمن سيصبح من عماليق المستقبل القريب قصدت الهند والصين وأوروبا المتحدة وروسيا وقوى أمريكا الجنوبية الصاعدة: فكل هؤلاء يخطبون ودها لعلتين لما عندها مباشرة ولما يمكن أن تسرقه لهما مما عند الغرب من أسرار علمية وتقنية. وأما العماليق الأربعة الذين يتربصون بالعالم الإسلامي فهم العماليق المحيطون به إحاطة حبل المشنقة بعنق الغافلين. فدار الإسلام يحيط بها من الغرب الاتحاد الأوروبي وروسيا ويحيط بها شرقا الهند والصين. وقريبا سيصبح التنافس على دار الإسلام بين المستعمرين الحاليين (إسرائيل وأمريكا) والمترشحين لاستعمارنا: أوروبا المتحدة وروسيا والهند والصين. كل هؤلاء أكثر حاجة لما في أرض المسلمين من أمريكا. فهي تريد ما عندنا لتصمد أمامهم في حين أنهم هم يريدونه لكونه ليس ضروريا للانفراد كما هي حال أمريكا بل للوجود العادي. كلهم أحوج للطاقة الإسلامية من أمريكا. ومن لم يفهم ذلك يصح أن يوصف بالأعمى استراتيجيا: التكاثر البشري وتناقص الثروات يؤدي ضرورة إلى عودة البشرية إلى ما كانت عليه القبائل البدائية من حروب على الماء والكلأ. الفرق الوحيد أن البشرية أليوم ستضيف إلى الماء والكلأ الطاقة والغذاء. وكلاهما خزيتنها الكبرى في دار الإسلام التي هي أقل بلاد الله كثافة سكانية وأكثرها ثروة بحرية وطاقية. ولما كانت بالضعف العلمي والتقني والنمو الاقتصادي الهزيل التي نعلم بات من الواضح أن العالم الإسلامي سيستعمر من جديد وتتقاسمه العماليق إذا لم نسارع إلى الاستعداد بدءا بتوحيد الجهود في المعركة العلمية التقنية والاقتصادية والدفاعية. ومن شروط ذلك التحرر من حزازات الماضي على الأقل بالمستوى الذي فعلته أوروبا حتى يصبح لنا دور في تشكيل عالم الغد وحتى لا نكون ذبيحة العرس الدولي في تقاسم العالم الذي بدأ منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. والله ورسوله أعلم وهو الهادي إلى السراط المستقيم والسلام. February 04 فلسفة الدين من منظور الفكر الإسلامي
إشكالية تجديد أصول الفقه
مستقبل الإسلام
محاولة في ترشيد المقاومة: مقومات الحرب النفسية الفاعلة
في العلاقة بين الإرهاب الهامشي والإرهاب النسقي البديل الإسلامي: شروط تحرير الإنسانية من إرهاب العولمة
تمهيد الإرهاب والترهيب والاسترهاب كلها مصادر تفيد في دلالتها القرآنية معنى الإخافة والتخويف والاستخافة. ومن هذا المعنى الرهبانية والترهب اللذان يفيدان الخوف من الدنيا والهروب منها لتجنب المعاصي وطاعة الله [1]. وإذن فكل هذه المعاني تفيد متعديةًً التحذير والوعيد الذي يسبق الفعل ليغني عنه قدر المستطاع وهي تفيد لازمةً تجنب الفعل الذي يمكن أن يتضمن مخاطر. ومن ثم فهي جميعا لا تتضمن معنى عدوانيا كما [1] كيف يمكن أن نفهم اعتبار النبي الجهاد ترهب الإسلام؟ إذا كان الترهب المحرم في الإسلام بديله الجهاد فمعنى ذلك أن علة تحريم الأول هي عينها علة فرض الثاني مع عكس المقومات التي تتألف منها العلة الباطنة: فمقوم الإفراط في الدين الذي يعلل به الترهب المسيحي تصبح اقتصادا فيه والنفاق في العمل والفسق في العقد الناتجين عن الترهب يصبحان صدقا وإيمانا (آية الرهبانية). أما علته الظاهرة فهي ابتغاء رضوان الله والخوف من العدوان على أحكام الله وهو حل جذري يستند إلى التخلص من سبب أسباب كل معصية أعني خصائص الفطرة والدنيا اللتين يعتبرهما الفكر المسيحي مصدر الشر والمعاصي. وإذن فالجهاد الذي هو الترهب الإسلامي ليس إلا العمل بحسب الفطرة والإقبال على الدنيا دون الإخلاد إليها أعني مراعاة أحكام الشرع فيها مع العمل على تخليصها من المعاصي بدل الهروب منها للنجاة بالنفس. لذلك كان أصل الجهاد واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعني العمل الصالح والتواصي بالصبر في العمل بالحق الذي يشترط متقدما عليه الاجتهاد أو الإيمان الذي هو عينه التواصي بالحق: وليس القتال إلا الحل الأخير الذي لا مفر منه عند تعذر العلاج السلمي. ولما كان الداء الذي يعالجه هذا الموقف هو ما يطلق عليه القرآن اسم الفساد في الأرض وكان القرآن الكريم قد اعتبر أداة التغلب عليه الوحيدة هي التصدي له وليس الهروب منه كانت هذه الأداة هي التدافع أعني قيام المؤمنين بواجبهم لمنع الشر والفساد في الأرض وتحقيق الخير والصلاح فيها. الجهاد إذن هو محاربة الإرهاب بالمعنى الحديث للكلمة وبفرعيه الأصلي والهامشي وقاية بالإرهاب أو الوعيد بالمعنى القرآني للكلمة وبالقتال علاجا بالمعنى القرآني للكلمة أعني بحسب أخلاق الحرب التي حددها القرآن الكريم، وليس بحسب الحرب الهمجية التي يطبقها من يدعي حماية الإسلام من الحركات الدينية في العالم عامة وفي فلسطين وكشمير والبلقان والشيشان: فإذا كان الجندي يحظر قتله إذا ألقى سلاحه فمن باب أولى أن يمنع قتل المدنيين وخاصة النساء والأطفال والشيوخ. وبذلك يتبين تناسق الحل القرآني في هذه المسألة. استراتيجية النصر الحتماستراتيجية النصر الحتم © http://biblio.islamonline.net/Elibrary/Arabic/e_text/textCard.asp?tID=2&id=21926المنعطف، العدد 23-24، 2004، ص ص174-208.
مقدمة : أهداف المحاولة تهدف محاولتنا إلى علاج مسألتين رئيستين حان وقت فحصهما الفحص الدقيق لصياغة الحلول الممكنة بمقتضى التأسيس النظري والنجاعة العملية صياغة صريحة. ورغم أن القارئ العربي قد أصبح لا يهتم كثيرا ببعائد الأمور بحكم ما عوده عليه المستحوذون على رعاية أمريه الروحي والزماني (الحلف اللعين بين العلماء والأمراء المزعومين لفقدان خلق الأمانة والصدق عند الأولين وخلق الشهامة والحزم عند الثانين) من دعوته للاستقالة والاكتفاء بالكون من العامة التي تتبعهم بوصفهم من الخاصة رغم خصاصتهم العلمية وخستهم الخلقية، فإننا نقدم على التحليل المعمق بحثا في البعائد لندرك دلالة القرائب. ف "من رغب عن البعيد ورغب في القريب" تلاعبت به الأحداث فلم يتجاوز رد الفعل إلى الفعل أبدا. المسألة الأولى ما الشروط التي ينبغي تحسينها لتحقيق النصر أو للانتقال من الدفاع السلبي إلى الدفاع الإيجابي في معركة السعي لاستئناف دورنا التاريخي الكوني، أعني ما شروط النصر النفسي الذي يجعل العدو ييأس فيتجنب مواصلة الصدام معنا بعد أن نجعل تحسين شروطه في الحرب الوجودية وإساءة شروطنا فيها أمرين مستحيلين؟ وينبني الجواب على هذا السؤال على خمسة أسس نستعملها في البحث استعمال مسلمات لسبق تحليلها في بحوثنا السابقة وخاصة في كتابي (آفاق النهضة العربية وشروط نهضة العرب والمسلمين). وهذه الأسس هي : 1- قواعد التفاعل التي تحكم مقومات المعادلة الداخلية لطرفي أي معركة تحدد التاريخ الكوني (وفي هذه الحالة، الطرفان هما: العرب والمسلمون من جهة، وإسرائيل والغرب الأقصى أو الولايات المتحدة من جهة ثانية). أوهام القوة الأمريكيةأوهام القوة الأمريكية © http://biblio.islamonline.net/Elibrary/Arabic/e_text/textCard.asp?tID=2&id=21920المنعطف، العدد 22-21، 2003، ص ص55-82.
I- أوهام القوة الأميركية يسعى المروجون لأوهام القوة الأمريكية من نخبنا المستلبة من أقام منها ومن هاجر سواء انتسب إلى أصحاب الغفلة والسذاجة فأحسن الظن بأمريكا إو إلى من ساءت نواياه مثل مستخدميه من الأمريكان يسعون إلى تقديم أحداث المعركة الأخيرة في العراق وكأنها وقائع خواتم تحددت دلالاتها نهائيا وليست كما هي فعلا وقائع فواتح لن تتعين دلالاتها إلا بمقبل الأحداث. وستبين الأيام أن كل البراقع التي تخفي الطابع الوهمي للقوة الأمريكية التي يتذرعون بها لن تصمد أمام أحداث الثورة العربية الإسلامية التي توفرت شروطها في الأرض العربية بدءا بالعراق وختما بكل عواصم الإسلام في أرض العروبة بعد أن تتحد ذروتا النهضة العربية والصحوة الإسلامية. فالأحداث التاريخية الحاضرة لا تعد خواتم إلا إذا قرئت قراءة يسعى صاحبها إلى قتل الأمل بتوطيد اليأس من خلال تأويل الأفعال الجارية تأويلا يجعلها نهاية منتسبة إلى الماضي (سر حرب العدو النفسية) ولكنها تعد فواتح إذا قرئت قراءة يسعى صاحبها إلى بعث الأمل بقتل اليأس، من خلال تأويلها تأويلا يجعلها بداية منتسبة إلى المستقبل (سر الصمود الذي نريده). وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن أغلب نخبنا الذين انتدبتهم وكالة الاستعلامات الأمريكية للتبشير برسالة أمريكا التحضيرية يسعون إلى تدعيم حرب أمريكا النفسيه محاولين إقناع الرأي العام العربي بأن القوة الأمريكية قوة لا تقهر بدليل سقوط بغداد في لمح البصر وأن على المرء أن يحوقل قبل الاستسلام، بل وأن يحمدل لبدء الاندماج في المخطط الأمريكي لتحقيق التحضير: لم أسمع في حياتي بنخبة أو معارضة صادقة يصدق المنتسبون إليها أن الاستعمار يمكن أن يكون قوة تحرير فضلا عن التحضير إلا بين علمانيي العرب الذين نجد في بعض المغاربيين منهم أبشع الصور لما
أزمة الأمة العربية.. بين «أبو يعرب» ومجايليه
إصلاح العقل في الفلسفة العربية من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدونإصلاح العقل في الفلسفة العربية من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون
منصور بن تركي الهجلة
كان كتاب أبي يعرب المرزوقي (إصلاح العقل في الفلسفة العربية من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون) هو الجزء التكميلي من البحث الرئيس في أطروحته للدكتوراة في جامعة السوربون، وطُبع البحث الرئيس بعنوان (تجليات الفلسفة العربية منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي) في (550)صفحة طبعته دار الفكر المعاصر، وتلك هي الطريقة القديمة في تقاليد جامعات فرنسا إذ يقدم الطالب بحثا رئيسيا وبحثا تكميليا وبناء عليهما يحصل على الدكتوراة.
وطبع كتابنا هذا مركز دراسات الوحدة العربية في قرابة (400) صفحة كما في الطبعة الثانية عام 1996م، وكانت كلتا الرسالتين قمة عمل إبداعي أنتجته سنين البحث والجد والقراءة ومحاولة الفهم لحقيقة فلسفة الإنسان منطلقاً من الفلسفة اليونانية ثم الفلسفة الهلنستية مروراً بالفلسفة العربية والإسلامية ثم الفلسفة اللاتينية وانتهاءً بالفلسفة الجرمانية، كانت قراءته محصورة في هذه الأطروحة في مناقشة قضية مركزية في الفلسفة - كان لها الأثر الكبير في العلم والعمل الإنسانِيَّيءن منذ فجر الفلسفة المدونة والتي عرفتها منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط اللذين يُعَدَّان محور حضارات الإنسانية لآلاف السنين -ألا وهي قضية منزلة الكلي النظري والكلي العملي بين الواقعية والاسمية. وعند الحديث عن هذا الموضوع - من خلال كتب الدكتور أبي يعرب المرزوقي عموما وكتاب "إصلاح العقل في الفلسفة العربية" خصوصاً -نجد أهمية أن يكون القارئُ مُلِمَّاً بعددٍ من العلوم بدءاً بالفلسفة وعلومها كالمنطق والرياضيات وانتهاءً بالشريعة وعلومها كالأصول واللغة والتاريخ. ومن الملحوظ ما نجده من كثير من كبار المثقفين المعاصرين من نقد صريح لوعورة كتابات أبي يعرب المرزوقي التي تنطق بلغة فلسفية صارمة ذات تقنيات جرمانية، وكأنها تسير بشكل رياضي وهندسي محكم، كما أشار في مقابلة تلفزيونية له في برنامج مسارات الذي تبثُّه قناة الجزيرة إلى تأثره في الكتابة برياضيات أرسطو وهندسة أقليدس، ونجد هذا النقد في كثير من الحواريات التي كان طرفاً فيها مثل حواريته مع الدكتور حسن حنفي، وحواريته مع الدكتور الفقيه محمد سعيد رمضان البوطي. لكن عند تأمُّل كتابات أبي يعرب ودراستها بتأن ودقة، نجد أنها ليست بهذا القدر من الغموض والوعورة كما يدعي الكثيرون لأن العبرة بمحاولة فهم وتفكيك تلك المصطلحات التي أنتجها أبو يعرب، وهي في غاية الوضوح عند الدارس الجاد للفلسفة العربية على أقل تقدير بالنسبة لمستوى القارئ العربي،و تتضح للقارئ الجاد معالم فكر يتميز بالوضوح وعدم اللبس إذ محاوره تصاغ في بناء منسجم ومحكم دون أن يوجد تناقض ظاهر. والذكاء الفطري الذي تميز به أبو يعرب مع ما أعطاه الله من هِمَّةٍ في القراءة والاطلاع وإتقانه لبعض اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية والألمانية، كل ذلك ساعد في عمق دراسته للفلسفة الغربية الحديثة ومقارنتها بفلسفات التاريخ الإسلامي التي كان لها الفضل في الحفاظ على تراث أساطين الفلسفة اليونانية.
عرض سريع لأهم فصول ومباحث الكتاب قسم أبو يعرب المرزوقي كتابه هذا إلى مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة: تحدث في المقدمة عن أمرين: أولهما في إشكالية الكلي ودور هذا الإشكال في تشكلات التاريخ الفكري العربي، وثانيهما في المقدمات الممكنة لاستيعاب فرضيات العلاج وشروطه. وفي القسم الأول من الكتاب الذي عنونه ب( الوضعية الفلسفية والابستمولوجية) تحدث فيه في فصلين: الأول كان في (منازل الكلي ومنطقها) أو هو إجابة على السؤال (كيف أصبحت الفلسفة الاسمية النظرية والعملية غاية الفلسفة العربية؟)، وكان هذا الفصل يبين الحراك الفلسفي والفكري حول التردد بين الميل إلى الوصل أو الفصل بين أنساق المرجعيتين (المرجعية الفلسفية الأفلاطونية) و (المرجعية الدينية الحنيفية). وأما الفصل الثاني فقد عنون له ب ( عدم التلاؤم بين النظر والعمل الحاصلين فعلا وما بعدهما التأسيسي في الفلسفة) إذ يؤكد عبر مباحث هذا الفصل خاصِّية النظر والعمل الوضعي الإنساني المحدود الذي لا يمكن أن يُوَحَّد بما بعده من خلال عملية إطلاقه عن نِسءبِيَّته التي هي طبيعة إدراكه وإرادته. ثم جاء القسمان الآخَرَان للكتاب واللذان يمثلان جوهر البحث : في بيان الوجه السالب من الاسمية أو دحض الواقعية كما في القسم الثاني، وبيان الوجه الإيجابي من الاسمية النظرية والعملية كما في القسم الثالث. ففي القسم الثاني أكَّد بالدلائل الفلسفية بأن فلسفة ابن تيمية وابن خلدون قامت بنقلة ثورية من واقعية الرياضي والمنطقي إلى ذريعيتهما ومن واقعية السياسي والتاريخي إلى ذريعيتهما، أي من كون هذان المجالان (الطبيعة، والتاريخ) أو (المجال الطبيعي والمجال الشريعي) مجالين مطلقين مختومين بأختام الانتهاء والإغلاق إلى كونهما مجالان نِسءبِيَّيءن لمحاولة إدراك حقائق وطبائع الأشياء وقيمها من منطلق كونهما مجرد ذرائع ووسائل لمحاولة الوصول إلى القرب من المتعالي المطلق في المجالين. فكان أن أطلق أبو يعرب على هذه الفكرة مسمى الانتقال من عبادة الطبيعة في المجال الطبيعي إلى السيادة عليها، والانتقال في المجال الشريعي ( التاريخ الإنساني= سياسة واجتماع واقتصاد وقانون وغيره) من عبادة الشريعة إلى السيادة عليهما، لأنهما مجرد وسائل وذرائع في الواسطة إلى المطلق. وفي القسم الأخير تحدث عن تأصيل موجب لنظرية الاسمية من خلال بناء نسقي يفكُّ الارتباط بين العلم النظرية و"الماهيات الذاتية للأشياء" أو "الكلي النظري"، ويفكُّ الارتباط أيضاً بين العلم العملي و"الواجبات الذاتية للأشياء" أو "الكلي العملي". مبرهنا على كل ذلك في بناء منطقي محكم على أصول ذلك في فلسفة ابن تيمية وابن خلدون والتي يذكر أبو يعرب بأن بداية فلسفتهما تمثل غاية الفلسفة الغربية المعاصرة المتمثلة في الكشوف العلمية والفلسفية المعاصرة.
قراءة مجملة لأفكار الكتاب الرئيسية تُشَكِّلُ عودةُ أبي يعرب لدراسة فلسفة أهم رموز التراث الإسلامي بعد دراسات عميقة لأهم فلاسفة أوروبا (مثل ديكارت وإيمانويل كانط وهيغل وماركس) إثماراً لنتائج مذهلة، إذ أصبح بعض رموز تراثنا الإسلامي يقارعون في فلسفتهم كبار من يسمون بفلاسفة التنوير إن لم يكن يتجاوزونهم بالعمق المعرفي. ولم يكن في كل النتائج التي توصل إليها صاحبنا صادراً من أيديولوجيا معينة أو من تعاطفٍ معيَّن -وإن كان لا يمكن الادعاء بنفيه مطلقاً - بل دبَّج كل ما يدَّعيه في نظرياته وقراءاته التي يسميها (محاولات) بالأدلة الممكنة والقريبة من عقل الإنسان وفطرته التي تدرك حدود إدراكها. فكما يبيِّن لنا أبو يعرب من خلال هذا الكتاب بأن فكرة الكلي ( = ضد الجزئي المعيَّن في الخارج) من حيث وجوده هي فكرة ذات لوازم ابستمولوجية (معرفية) وأكسيولوجية (عملية)، تُشَكِّل نواة البحث في أصول التفلسف في العلوم النظرية والعملية، فالكلي من حيث السؤال عن وجوده هل هو خارجي أو ذهني ؟ أو هل وجوده في الخارج أو وجوده في الذهن والاسم ؟ حيث نجد عند الجواب على هذا السؤال تبرز أجوبة المذهب الواقعي في أبرز عَلَمَيءه في الفلسفة اليونانية (أفلاطون، وأرسطو) كبداية للإشكال المعرفي والوجودي -على خلاف بينهما في تحديد واقع وجود الكلي بين كونه مفارق (أفلاطون)أو محايث للمعيَّن (أرسطو) -وما نتج عن هذا المذهب من آثار في أصول العلوم وعلاقاتها الأفقية ببعضها. كما برز في الجواب على السؤال الفائت المذهب الاسمي في أبرز عَلَمَيءه في الفلسفة الإسلامية (ابن تيمية وابن خلدون) كبداية لنهاية الإشكال الذي بدأ - كما في مدونات العلم- من واقعية أفلاطون وأرسطو، وكانت بداية النهاية لتنقية الحنيفية المحدثة النبوية (الموحدة بين الدين الطبيعي الفطري والدين المنزل) من تحريفات الأفلاطونية المحدثة المنسوبة لأفلاطون وأرسطو، ومن تحريفات الحنيفية المحدثة أيضا المنسوبة إلى موسى وعيسى عليهما السلام، وهذا التصحيح والإحياء التيمي والخلدوني دفنته وللأسف أعوام من تخلف الحضارة العربية والإسلامية حتى بدأنا نتلمس إبراز ذلك الإحياء وبيان عمقه المعرفي والوجودي من قراءاتنا لكتابات أبي يعرب. إن كثيراً من الكلام في هذا الموضوع قد لا يعني الكثير من أرباب الثقافة والفلسفة، وذلك لإشكالية وحيدة هي عدم الاستيعاب لأهمية معالجة منزلة الكلي علمياً وعملياً في إنتاج العلوم وفي الموقف من فهمنا للطبيعة والتاريخ، أو ما يسمى الآن بالعلوم الطبيعية العلوم الإنسانية. ويؤكد أبو يعرب في جل كتبه وخصوصاً كتابه هذا أن ابن تيمية وابن خلدون يمثلان غاية التقارب بين (الأفلاطونية المحدثة، والحنيفية المحدثة) في توحيد ما يسمى الفكر الفلسفي بالفكر الديني، وهذه دعاوى سآتي لتفصيلها في قراءة هذا الكتاب، فأبو يعرب يرى عودة الإحياء التيمي والخلدوني إلى توضيح ما جاء به الإسلام كرسالة خاتمة ترى أن العقل والنقل هما من طبيعة واحدة، وشرط بيان التطابق هو تصريح العقل وتصحيح النقل وفق أدواتهما الفاعلة والحيَّة. وهذان المصطلحان من الأهمية بمكان للوقوف عندهما وتوضيحهما للقارئ ف(الأفلاطونية = نسبة إلى أفلاطون ) وأبرز عَلَمين متبوعين في هذه المدرسة هما : أفلاطون وأرسطو، وبعد سيادة الفلسفة اليونانية فترة من الزمان جاءت الفلسفة الهلنستية، وأشهر مدارسها "المدرسة الأفلوطينية" نسبة إلى أفلوطين وشيوخه وأتباعه الذين أتوا بعد موسى وعيسى عليهما السلام وأتوا بمزيد من المسائل والإضافات على فلاسفة اليونان وبمزيد من المزج والاستعارة من مذاهب وأفكار فلسفية هرمسية وهندية وفارسية وغيرها، وهذه هي الفلسفة الأفلاطونية المحدثة التي أثرت في تاريخ الفلسفة العربية التي أخذت في منحى الوصل في فلاسفة العرب الأولين ظناً باستيعاب الوصل بين فلسفة أرسطو وأفلاطون ميلاً لأحدهما كالفارابي المائل نحو المشائية الأرسطية وإخوان الصفا المائلون نحو الصفوية الأفلاطونية، أو أخذت منحى الفصل بعد التفجير السينوي - كما يشير أبو يعرب - بين فلسفة أرسطو وأفلاطون مع الميل لأحدهما كالسهرودي (الإشراقي الأفلاطوني) وابن رشد ( المشائي الأرسطي). والحنيفية المحدثة هي الحنيفية بعد إبراهيم (إذ أطلق وصف الحنيفية أولاً على إبراهيم عليه السلام لانتشار الشرك الذي مال عنه -حَنَف عنه-، ودعى للميل عنه إلى التوحيد)، والمحدثة منها هي ما بعده في دعوة موسى وعيسى عليهما السلام إلى أن طرأ عليهما من التحريف ما طرأ حتى جاءت الحنيفية المحضة بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الشاملة والكافة للبشرية جمعاء ختماً للوحي الإلهي ونفياً لأي سلطة روحية وسيطة معصومة تزعم إطلاق العلم بطبائع الأشياء أو إطلاق العمل بتطابقه لقيم الأشياء، وذلك بتنسيب (= نسبية) العلم والعمل دون إطلاقهما، وبيان أنهما من طبيعة واحدة إذ الفطرة متطابقة مع الدين المنزل كما في قوله سبحانه (فطرة الله التي فطر الناس عليها) فلا تعارض بين العقل والنقل، بين الكتاب والميزان، بين القرآن والحُكءم (=الحكمة العقلية)، بين الفكر الفلسفي والفكر الديني، متمثلاً كل ذلك في مخاطبة الفطرة المهيَّأة لمطابقة التصور الإنساني للآيات الكونية (الكون والطبيعة والنفس) والآيات الشرعية (القرآن وشرع من قبلنا) الذين هما مصدر فهم الطبائع والشرائع وإن اختلفت أدواتهما. فأبو يعرب يبين أن ما طرأ على الحنيفية النبوية المحمدية من تحريف في المذاهب التي انتسبت إلى الإسلام بسبب المقابلة بين الطبيعي والشريعي وما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ، أو بلغة أوضح المقابلة المطلقة بين العقل والنقل في تاريخ الفلسفة والكلام عند المسلمين ومن تأثر بهم من اليهود والنصارى، فهو يحدد الوعي بما طرأ على الفكر الفلسفي والفكر الديني من تحريف أدى إلى ازدواجية بحيث جاء فريق يمارس السيادة على الشريعة بتوسل عبادة الطبيعة، وجاء فريق آخر يمارس السيادة على الطبيعة بتوسل عبادة الشريعة، وهذه المصطلحات عند أبي يعرب لا تعني ما يتبادر إلى الذهن من أن المقصود نفي قدسية نصوص الشرع عند السيادة عليها بل يعني أن الممارسة الدينية بإطلاق أحكام أفهام أشخاص مُعَيَّنِين للشريعة هو في الحقيقة عبادة لهم (أي لما يسمونه شريعة) وهو في الحقيقة ليس عبادة لله ولا طاعة له لأنه أَمَرَ سبحانه بامتثال كلامه وفهمه على وجهه وفق دلائل آياته الكونية والشرعية، لأن الشريعة بالمعنى العام هو التشريع، وهو فهمنا لنصوص الشرع ولعادات الطبيعة، وهذا الاستعمال يتطابق مع الاستعمال القرآني في قوله سبحانه : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) قال عدي للرسول صلى الله عليه وسلم : "إنا لسنا نعبدهم" قال : "أليس يحرمون ما أحل الله فتتبعونهم ويحرمون ما أحل الله فتتبعونهم ؟!" قال : "بلى"، قال : "فتلك عبادتهم"، ونجد هذه الممارسة لهذين الأمرين ظاهراً في تيارين متطرفين يتدرَّج بينهما أطيافٌ من السلط الروحية المتوسلة بأحد الأمرين للسيادة على الآخر، فابن رشد يمارس السيادة على الشريعة بتوسل عبادة الطبيعة وهو في الحقيقة يمارس العبادة لمقولات أرسطو في الطبيعة، ويقابله إخوان الصفا الذين يمارسون السيادة على الطبيعة بتوسل عبادة الشريعة وهم في الحقيقة يمارسون العبادة لمقولات الأئمة والأولياء، قال أبو يعرب: (فلا الإنسان يمكن أن يصير إلها، ولا الإله يمكن أن يصير إنساناً، والواسطة بينهما أعني الطبيعة (الآية الكونية) والشريعة (الآية الشرعية)، بما هما خطاب الإله الموجه إلى الإنسان، والنظر والعمل بما هما جواب الإنسان على خطاب الإله وعبادته له، أصبحا ممثِّلَين لحدَّيء علاقة الاستخلاف: الطبيعة والشريعة -الخاتمة والفاتحة- من الإله إلى الإنسان، النظر بما هو عبادة والعمل بما هو عبادة من الإنسان إلى الإله). فجاءت الحنيفية السمحة محررة الإنسان من العبادة للطبيعة والشريعة تحريراً من كل الحيل والوسائط بالسيادة عليهما،فسبب هذا الانحراف من السيادة إلى العبادة هو واقعية الكلي التي سماها أبو يعرب بالجرثومة القاتلة للعقل العلمي والقاتلة للروح الديني، وقد أبان ابن تيمية كل ذلك بالأصل الأصيل "نفي واقعية الكلي" الذي سماه "الأصل الذي ينفع في عامة العلوم". ويبين لنا صاحبنا في كتابه كيفية وصول الأمر لهذه الوحدة الحية بين الفكرين الديني والفلسفي التى أحياها فيلسوفا الإسلام العظيمين (ابن تيمية وابن خلدون )، بتأكيد أن المعلوم الإنساني لا يطابق طبائع الأشياء، وكذلك المعمول الإنساني لا يطابق قيم الأشياء، وهذا هو المتوافق مع قوله سبحانه : (إنه كان ظلوماً جهولا)، فليست معلومات الإنسان ومخترعاته متجوهرة كطبائع منتهية ومُتَذَوِّتة، ولا معمولاته متجوهرة كقيم ذاتية منتهية ومُتَذَوِّتة، بل علم الإنسان وعمله وضعيات إنسانية نسبية ذرائعية لا غائية فيها، فالموضوع ببساطة إثبات حقيقة تنسيب (= نسبية) هذين الفكرين دون إطلاق أحدهما على الآخر، ودون حلولية المطلق الما بعد في النسبي (الممكن ) الماقابل، أي حلولية ما بعد الطبيعة المطلق في الطبيعة، وحلولية ما بعد التاريخ المطلق في التاريخ. إن كلَّ ذلك تحقيق للاسمية ونفي للواقعية -كما يؤكده أبو يعرب- خصوصا في نقدها لإثبات وجود الماهيات المنفصلة عن الذوات، وفي نقدها للقول بشيئية المعدوم، وفي نقدها لادعاء المعقول الإنساني من ماهية الأشياء مطابق لذات طبيعة الموجود أو "الماهيَّات الذاتية للأشياء"، وفي نقدها لادعاء المعمول الإنساني من قيم الأشياء مطابق لذات قيمة الموجود أو "الواجبات الذاتية للأشياء". بمعنى أن منظومة المعلوم (المعقول) والمعمول (المحسوس) ما هو إلاَّ نسبيٌّ يشرئب دائماً إلى المطلق المتعالي (الحقيقة المطلقة) دون زعمه لمطابقتها، مما يجعل الإنسان دائماً في طلب للمعلومات النافعة والمعمولات الصالحة دون أن يصل لحالة يقين التطابق (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، بل تبرز حاجة الإنسان لأن يستعين بغيره من بني جنسه في طلب التعالي إلى الحقيقة المتعالية كما في سورة العصر (إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر)، لذا صدق الشافعي حين قال : "لو ما أنزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم". فمُدَّعُو واقعية الكلي يزعمون أن المعقول مطابق لطبيعة الشيء والمعمول مطابق لقيمة الشيء كما هو عليه في ذاته، وأساس هذا هو ادعاء واقعية الكلي النظري والعملي، فهذا التقرير اليعربي -إن صح التعبير -هو المتوافق مع فلسفة الدين والطبيعة كما جاء تأكيدها في الحنيفية السمحة التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه يقول : (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا)، ويقول : (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)، ويقول : (وما يعلم تأويله إلا الله) على الوقف اللازم، ويقول عن الإنسان : (إنه كان ظلوماً جهولاً) فهو ظلوم لعدم إمكانية تطابق معموله بقيم الأشياء الذاتية، وهو جهول لعدم إمكانية تطابق معلومه بطبيعة الأشياء الذاتية. والقول بعدم إمكانية التطابق وفق الاسمية العلمية والعملية للكلي لا تعني أبداً النسبية المحضة بل النسبية المحضة واقعية محضة، وذلك لأن فوضوية النسبية التي هي ردة فعل على الإطلاق في الفلسفة المثالية (هيغل) والفلسفة الوضعية (أوغست كونت) - هي كما قال ذات مرة "كفر بالكفر" - وهي عين الواقعية لحصرها الوجود في الإدراك الإنساني، بحيث يصير إدراكه معياراً ومقياساً للحقيقة، لذا زعموا تعدد الحقيقة ونسبيتها، مما يستلزم ضياعها وفساد الكون، لذا يقول ابن تيمية دائماً عن هذه النسبية المحضة بأنها غاية السفسطة في العقليات والقرمطة في النقليات. فابن تيمية وابن خلدون كما يقول أبو يعرب :( أن هذين الفيلسوفين بوصفهما غاية ما قبل الانحطاط وبداية ما بعده، مثَّلا الجسر الذي جعل جبر الكسر في الفكر العربي الإسلامي جبراً فلسفياً كلامياً يكون ممكناً على أسس عميقة هي أعمق ما في الفكر الفلسفي (عامَّةً) أنطولوجياً وابستمولوجياً، كما أنهما بفعل هذا الجبر جعلا الربط بالفكر الغربي المعاصر لنا يصبح ممكناً). إن تجلية أبي يعرب المرزوقي لهذه القضايا وفق سياقات فلسفية تبين أثر منزلة الكلي في النظر والعمل، بشكل يغلب عليه الطابع البُنءيوي الذي لا يستبعد الطابع التاريخاني في تأثير الظرفيات عند قراءته للفكر الإنساني في المجال الفلسفي والديني، ولكن عمق التأثير البنيوي لهيكلية الفكر الفلسفي والديني نظريا وعمليا تجعل قراءته ذات تميز علمي وذات سبق فلسفي على المستوى العالمي. الحوار السني - الشيعي
المطالع لخريطة الفكر الإسلامي وطبقاته التاريخية لا بد أن يدرك الحاجة لتعلم سنن التاريخ والجهد المطلوب لتوحيد الفكر الإسلامي وتوحيد التاريخ الإسلامي. في العلاقة بين الكلام القديم والكلام الجديد
تتفرع مسألة العلاقة بين علم الكلام في شكله الوسيط وما يسمى بعلم الكلام الجديد في أدبيات الفكر الديني الاسلامي الحالي من منظور فلسفة الدين إلى مسألتين أهميتهما أنهما لا تقتصران على علاج أدواء الحضارة العربية الاسلامية فحسب بل هما تدوران حول أهم قضية في الثيولوجيا المسيحية التي تسيطر على فلسفة الدين المعاصرة والتي توالى الدخول إليها من الثيولوجيا إلى الانثروبولوجيا. والمعلوم أن أهم مميز بين المنظورين المسيحي والاسلامي أن الاول يقبل التوحيد بينهما والثاني يحظره. فمنزلة الإنسان الوجودية وكلمة الله مسألتان متمايزتان في الكلام الاسلامي. لكنهما تعتبران مسألة واحدة في الثيولوجيا المسيحية.
عولمة النجومية وفصام النخب العربية 3/3
الفصل الثالث: النجومية في النخبة الذوقية
المسألة الثانية: مثال من النخب الذوقية 1- العلاج التصوري لن نتكلم في النخب الذوقية المبدعة للاعمال الفنية حتى لو سلمنا بأن مجتمعاتنا يمكن ألا تكون خالية من بذراتها رغم قلة ثمراتها. سنتكلم على المتكلمين في الابداع وهم من أكبر الاتباع. فمزاعم النقد عندنا يفضل كم الابداع فيها بما فيه من الفقاع. لكن أصحابها مع ذلك يحددون القيم الذوقية التي منها النقد الذوقي سواء جمع أصحابه بين الابداع والنقد او اقتصروا على النقد المتفرج مع سلوك الخيلاء والتبرج. وقد يتصور القارئ المتسرع أن مجال الذوق حكر على النخب المتكلمة باسم العقل بمقتضى كون النخب المتكلمة باسم الدين قد حسمت المشكلة بأن أخرجت الفنون من حياة المسلمين لفرط تفاهة فكرهم المزعوم دينيا وفقهيا. لكن ذلك مجرد ظاهر من الأمر. فموقف الفقهاء الذي تدنى وتجنى ليس كافيا لتبني الفكر الديني الاسلامي نفي الفنون لو لم يعضده ما أصاب المتكلمين باسمها من انحطاط ذوقي ومجون آل بهم إلى التحطيم الذاتي بأسباب الهرم البدني والجنون ناكرين الديني الأهلي في اعمالهم رغم استمدادهم اياه من تقليد الفن الغربي. فهذا الفن مثله مثل الفكر الفلسفي الغربي مشبع بالفكر الديني المسيحي (الرموز التوراتية الانجيلية) واليوناني (الاساطير اليونانية) والجرماني (الاساطير البربرية). ولا يغفل عن ذلك إلا مأفون اطلاعه على الابداع في مجالي الفلسفة والفن لا يتعدى سطحيات أشباه المفكرين الذين يزعمون أنهم من العلمانيين أو من الماركسيين. لذلك فهم لم يخرجوا الديني عامة من الفن لاستحالته بمقتضى كون الديني من حيث هو ديني والفني من حيث هو فني هما عين المقدس. إنما أخرجوا الاسلام دون سواه مستبدلين رموزه برموز دينية يستعملونها في سرقاتهم الأدبية بوعي أو بغفلة غبية. ويصح هذا الوصف عن مزعوم ابداعهم سواء كان بالاداة اللسانية مباشرة (كالشعر والقص) أو في ترجماتهما الدرامية إما ترجمة مباشرة (المسرح) أو مسجلة (السينما والتلفزة). وحتى نفهم هذا الظاهرة لا بد أن نبدأ بالبعد التصوري من الفصام الحاصل في ميدان قيم الذوق بين نخب الحضارة العربية الإسلامية قبل الكلام على البعد التاريخي. فإرادة اخراج الفنون من الحياة عند المتخلف من المتكلمين باسم الدين لم يخرجها من الحياة بل أخرج أصحاب المحاولة منها. حتى إن المرء ليتساءل هل منهم من قرأ القرآن وهو حقا صاح؟ هل منهم من فهم ما وعاه الغزالي في المضنون الصغير إذ اعتبر الادراك النبوي من جنس التفرد العبقري في الادارك الفني تمثيلا بالشعر والموسيقى؟ أو المحاسبي في التوهم عندما صار عنده وصف الجنة نموذجا لدرس آمال النفوس التي تجعل المتخيل من جنس المحسوس فتتطابق العيانات والحدوس ؟ لذلك فليس الفن هو الذي خرج من الحياة بل الدين الإسلامي الذي فصلوه عن الفن هو الذي أصبح على هامش تجارب الحياة الصادقة. ولا غرابة! فلا يمكن لمن هم في أرذل العمر أشباه الموتى أن يفهموا أن الحياة هي الفن تعبيرا عن أسمى التجارب الروحية وأنها عبادة للمألوه بتوسط الرموز التي ندرك بها الالهي في آياته التي هي تجلياته الحية. لذلك فلا بد من فهم هذه الظاهرة التي أعتبرها أخطر على الاسلام من كل علامات الانحطاط الأخرى. ولا بد من التمثيل لها حتى نفهم مدلول عولمة النخب بما في ذلك النخب الدينية التي حددتها العولمة بالسلب: فهي تتحدد سلبا زعما إياها صمودا أمام الغزو الثقافي ومعارضة للعولمة الحالية بصورتها المشوهة وتعتمد على صورة أكثر تشويها حول عولمة الاسلام الماضية بدل ادراك الكوني في كل الحضارات من حيث هو الافق المبين الذي تطل منه على آيات رب العالمين . وإذا كان المتكلمون باسم الدين قد أخرجوا الإسلام من الحياة لاخراجهم الفنون منه فإن المتكلمين باسم العقل قد أفقدوا حياة المسلمين معناها لانهم أخرجوا ضروب تجلي المقدس عندهم من الفن الذي حصروه في المدنس مرتين: بأن استعاروا الرموز التي يأباها الوعي الديني الاسلامي وبأن صوروا ذلك تحريرا للفن من الدين في حين أنه اخضاع له لأديان أخرى. فالفنان صار عبدا لسيد هواه الذي يمول ملهاه ليجعله " في كل حانة يهيم إدراكه بهيم ووعيه سديم فلا يصح لحدسه نفاذ يمكن لنور قلبه أن يستقيم" إلى أن يتعنس فيتكنس. وتلك هي الوظيفة الاستلابية التي حذقتها مافيات الاحزاب القومية ثم بعد افلاسها نابتها فيها قبائل الوبر بفضل جلوسها على زيت الحجر. لذلك فقد انقسمت نجوم الحياة الذوقية إلى نوعين. فأما النوع الأول فنجد ممثليه في المتكلمين باسم الدين: شيخ خرف جعل محاربة الفنون بكلام ذي شجون ترهب الفنانات وتلهب لا وعيهن خلطا بين سوي المعقدات ومرضي الخرافات جعلها غاية الحديث. وأما النوع الثاني فنجد ممثليه في المتكلمين باسم التنوير والتغيير: قزم صلف جعل مقايضة المسكرات بالمقدسات في سوق الاستعلامات سليلا لجرأة كل داعر على التشاعر بزاد لساني ووجداني شاغر جعلها غاية التحديث. لم يعد الفن تعبيرا عن تجربة الحياة والسمو الموجب بتجليات مفاعليها السمو الذي تكون فيه قيم الذوق آفاق الولوج إلى معاني الوجود للتعبير عن أفضل أبعاده الحية بتحرير الجسم بدل تخديره الذي يمارسه فنانو الحك الذاتي عند الأجارب. فالجسم هو المشعر المقدس الأسمى من منظور الإسلام. إنه المشعر الذي بناه الرب ووضع فيه بعض نفسه بنفسه. لذلك فهو أكثر قدسية من كل المشاعر التي بناها الانبياء فضلا عن التي بناها الناس العاديون. لذلك فطاقات الجسم الحية أو غرائزه بمعزل عن توظيفها سموا أو سفلا هي تجليات المشعر المطلق وحياته. وهو بحياته ومفاعليها الجميلة عينة من التنفس الالهي عينه فيه. فإذا لم يكن الفن الصراع الحي لتجلي مفاعيل الغرائز الفعلي سموا من مجرد الحياة إلى الحياة بمعناها الأتم فلن تكون متعة اللذة لذة الوعي بالمتعة. لن يكون تحقق الذات التطابق التام بين وعي الذة ولذة الوعي تطابقا هو حقيقة الحياة. فتصبح الحياة عيش بهيمي لا يختلف عن اللذة التي يجدها الحمار في أكل العشب والخضار أو عن اللذة التي يجدها بيادق المتشاعرة في الفنادق الفاخرة حيث يصبح اغراء العسل والكحول بعد حياة البصل والفول الشغل والمشغول الذي ينسي المبادئ والأصول. لا ذوق ولا ابداع لمن هو في سكر موصول. كيف وهو عن الصحو مفصول!؟ ومن ثم فهذا النوع الثاني من النخب ينفي غاية مفاعيل الحياة بحصر الفن في بداياته الاصطناعية بالبهارات والمخدرات مثل الرياضي الذي يتحرك بالمنشطات. لم يفهم هؤلاء أن الوعي بملتهب الشعورات سوانح مفطورات وقمة وجدانات شعورا قدسيا درجته الاولى هي العبادات وادراك فاني الحياة التي يذوقها المرء بلا تناه في كل تجل وتماه: معاملات الجوارج التي يعد الوعي بلذة الجماع أفضل رموزها لا معنى لها إذا لم تكن تعبيرا عن الشعور بالحياة الفانية آية للحياة الباقية. أما النوع الأول من النخب فينفي حياة الغرائز بحصر الدين في بداياته غير العفوية بالشعارات والتهديدات مثل مغاسيل الدماغ بالايديولوجيات. لم يفهم هؤلاء كذلك أن الوعي بلاهب السؤلات هو غاية الشعور الفني من حيث هو إدراك لما ترمز إليه حيرة الوجود من توق إلى الخلود والتشبه بالواحد المعبود: عبادات الجوارح التي تعد الصلاة أفضل رموزها لا معنى لها إذا لم تكن تعبيرا عن الشعور بالتواصل بين الحياتين الفانية والباقية. كلتا النخبتين لم تدرك بعد بسبب ما أصاب فكر الانحطاط من تبلد ذهني أن ما بين البداية والغاية الفنيتين هو عينه ما بين الغاية والبداية الدينيتين. إنهما تتبادلان الغاية والبداية حتى تتطابقا في تمام اللانهاية. فلولا عبادة الجوارج لامتنع الشعور الفني: وأرقاها عبادة المصلي. ولولا معاملة الجوارج لامتنع الشعور الديني: وأرقاها معاملة الرقص. ذلك أن عبادة الجوارج ليست الحركات العادية بل هي خضوع المشعر (الجسد) الإرادي للروح الالهي الذي نفخ فيه. ومن ثم فهو إدراك يربي الارادة من أجل تحقيق التناغم بين المشعر والشعور شوقا تزول فيه الحواجز بين الشاعر والمشعور. ومعاملة الجوارج ليست اللذائذ البهيمية بل هي ظهور المشاعر (حياة الجسد) الارادي للوعي بصدور الروح من المشعر. فيكون الفن بذلك بدايته غاية الشعور الديني: من دون شعور بالمطلق لا معنى للتعبير الفني. ويكون الدين بدايته غاية الشعور الفني: من دون عيش المطلق في الذات والتعبير عنه لا معنى للشعور الديني. ولولا ذلك لما كان ينبغي أن يكون تصور الجزاء في القرآن الكريم بدنيا وروحيا ولصحت أفكار الفلاسفة السخيفة أفكارهم التي تقصر البعث على الروح من دون البدن بل وبعث النفس الكلية من دون النفوس الجزئية بلسان الفلسفة القديمة والوسيطة. 2- العلاج التاريخي ولنأت الآن إلى العلاج التاريخي. فهو مضاعف مثل العلاج التصوري. فتاريخ الموقف الفني في علاقته بالموقف الديني يمكن أن يعرض نسقيا برده إلى جنسين كلاهما ذي بداية ونهاية مضاعفتين. فالجنس الأول بدايته تمثلت في فهمين غير سويين لانهما يحطان من الحياة الطبيعية معتبرين إياها شريرة بالذات أو بسبب الخطئية الأصلية: 1- الفهم الفلسفي (الأفلاطونية) 2- والفهم الديني (المسيحية). أما غايته فتمثلت في اطلاقهما إلى حد البلوغ بهما إلى نقيضيهما بشبه قلب نيتشوي أعني: 1.1- الواقعية الماركسية 1.2- والنفعية المسيحية الصهيونية. فبات الفن مجرد أداة موظفة لخدمة إيديولوجيا مزعومة فلسفية أو موهومة دينية وليس أحد سبل الابداع الرمزي والفعلي المحدد لآفاق ادراك القيم وتحقيقها. أما الجنس الثاني فبدايته تمثلت في فهمين سويين ينميان الحياة الطبيعية: 1- الفهم الفلسفي (الارسطية) 2- والفهم الديني (الحنيفية). لكن نهايته لم تتحقق بعد لأن كل محاولاتهما ما تزال تعاني من تعثر البداية بمفعول بداية الجنس السابق (في قتل الغرائز الصوفي والغاء الفقهاء الحياة الروحية من الدين باخراج الفنون منه) فضلا عن مفعول غايته (بالفن التخديري وتسيب الغرائز البهيمي). وتلك هي علة حرب المسيحية الصهيونية على سعي القيم الذوقية التي حددها أرسطو (بالعقل) وحددها محمد (بالوجدان) وعلى مجالي تجليهما أعني الطبيعة والتاريخ نحو غايتهما. وينبغي أن تكون الغاية نقل ما كان مجرد تصور إلى حقيقة لأن المنطق في هذه الحالة لا يمكن أن يكون جدليا من النقيض إلى النقيض إذ إن التناقض في حقيقة الفن تم تجاوزه من البداية في الحلين الارسطي والمحمدي ولم يبق الاكتمال مقتضيا التجاوز بل التحقيق فيكون التوالي بين التصور والانجاز: أي إن غاية الفن الحقيقية هي استكمال البداية الأرسطية والمحمدية ببعديهما. فادراك الممكن والتطهير من منطلق ما في الشخص الانساني من خصائص طبيعية (أرسطو) يصبح من منطلق ما بين الاشخاص من أواصر اجتماعية (محمد) تحقيق الحريات القيمية في الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود تحقيقا مضاعفا في الابداع الرمزي وفي الابداع التاريخي. وذلك هو ما يسميه القرآن الكريم التنافس في الخيرات. لذلك فغاية الجنس السوي من الفن نقل التحديد الارسطي والتحديد المحمدي من مجرد التصور إلى التحقيق. وما يهمنا هو التحديد المحمدي الذي يجهله أشباه علماء الدين فضلا عن أشباه علماء الدنيا. فأغلبهم يذهب بهم الغباء إلى حد تصور الدين الاسلامي والفلسفة متنافيين. لكأنه يمكن من دون إيمان بوجود الحقيقة وإيمان بقدرة العقل البشري على البلوغ إليها يمكن للعلم أن يشرع في الوجود فضلا عن تحقيق أهداف الانسان شرطين لكل فكر فلسفي. أو يمكن لدين يحتج لدعوته باعتبار الآيات الطبيعية والخلقية أن ينافي الحقيقة العلمية والفلسفية. إن ملخص التحديد الأرسطي يمكن أن يرجع إلى قضيتين: ففي كتاب الشعر يعرف أرسطو الشعر ببعده المعرفي الطبيعي (النمذجة الرمزية: موضوع الادارك الفني يتوسط بين التاريخي أو العيني والفلسفي أو الكلي) وببعده الخلقي الطبيعي (التطهير: ثمرة الادراك الفني تتوسط بين اشباع الفعل بحركته الطبيعية من فعله أو اشباعه بحركة رمزية من خلال الانفعال بحدوثه رمزيا في الأثر الفني). لكن أرسطو يعلل الأمرين ادراكا معرفيا وادراكا خلقيا بالاليات النفسية والعضوية لم يذهب إلى ما هو أعمق من هذا الفهم. لذلك فإن التحديد الديني المحمدي لابعاد الفن هو الذي سيغوص إلى هذه الاعماق. فالتحديد المحمدي للفن يضيف إلى منطور التحديد الطبيعي المنظور التاريخي لعمل الابداع والاثر الفني في الجماعة وراء المنظور الطبيعي للفرد: علم نفس الفرد الذي بنى عليه أرسطو نظرية الفن ليس كافيا لكون الفرد في المنظور الديني عقدة وجودية تلتقي فيها المفاعيل الطبيعية والتاريخية فعلا وانفعالا ومن ثم فهو ليس مصدرا لأي منهما حتى وإن كان محطة ضرورية في بث الفعل وتلقيه بداية وغاية للتفاعل الفني في الوجود التاريخي للجماعات. فالرمز المعرفي في الابداع عند أرسطو وسيط بين علم الكلي الفلسفي وعلم الجزئي التاريخي. لذلك فهو عنده المتعين الحقيقي من الإنسان, المتعين الذي يقبل الحصول في كل مكان وزمان. والتطهير الخلقي في الابداع عنده وسيط بين فعل العنف وانفعاله الطبيعين. وكلاهما بعد من الإنسان من حيث هو ناطق الحيوان. وبذلك يتبين أننا بين البداية والغاية في الجنس الأول من النظريات النقدية انتقلنا من نفي الوجود الحسي باسم الوجود العقلي والمثالي (طرد الشعراء الذين يحولون الواقع إلى مثال بأدبهم) إلى نقيضه نفيا للوجود المثالي باسم الوجود الحسي (الواقعية الأدبية التي تجعل التاريخ المادية التاريخية مثالا أعلى) ومن نفي الدفاع عن الذات باسم حب الجار والحياة الجنسية باسم العفة (أخلاق الرهبان التي يذمها القرآن الكريم) إلى نقيضيهما في الفن المعتمد على العنف والبرنوغرافيا غرضين شبه وحيدين للابداع الفني (الفن الأمريكي). وبذلك فإن هذا النوع من النقلة من النقيض إلى النقيض علته ميتافيزيا وميتاتاريخ مطلقين ونهائيين يعتمدان على علم محيط مزعوم يحدد ما ينبغي أن يكون عليه الانسان ويكلف سلطة روحية معصومة بمراقبة الابداع الرمزي لئلا يفسد العقيدة والشريعة سواء كانتا عقليتين (أفلاطون) أو نقلية (المسيحية). أما في الحالة الثانية فالنقلة علتها عدم القول بالعلم المحيط واعتبار الابداع الفني والابداع التاريخي مسهمين في تحقيق الادراك المتدرج للقيم ولتحقيقها تماما كما يحصل الامر في المعرفة العلمية المتدرجة للموضوعات ولكيفيات التعامل معها مع ما ينبغي من الحذر في التجريب العلمي. ولما كان أثر الفن في التاريخ لا يقل وقعا من أثر العلم فيه فإن نفس الحذر ينبغي أن ينطبق. فنحن لا نتهور فنجرب الابداع النظري من دون اخضاعه لمعايير منهجية تقرها الجماعة العلمية بوصفها سلطة نقد اجتهادي. وينبغي أن يكون الأمر بالمثل في الابداع الفني بشرط أن يقاس الأثر وتحدد المعايير بنفس السلطة الاجتهادية من دون أن تتحول سلطة النقد إلى سلطة رقابة. فنميز في الابداع الذوقي بين مستويين كما نفعل في الابداع العلمي: حرية البحث المطلق والتجريب العقلي مع الحذر الواجب في التجريب والتطبيق الفعليين. فلا يعقل أن نعمل بالحذر التجريبي في مجال الصحة العضوية ونحجم عن استعماله في مجال الصحة النفسية: ويكفي لفهم ذلك دراسة آثار العنف والجنس في الفن الامريكي على الاطفال في العالم. ومثلما ميزنا بين التجربة العقلية المجردة التي هي مطلقة الحرية وتجربة التطبيقات في الفنون عامة الآداب خاصة على نظيريهما في العلوم لما لكلا صنفي الابداع من التأثير في حياة الناس العضوية والنفسية وخاصة الأطفال فإنه ينبغي كذلك أن نميز بين أنواع الفنون. فما كان منها مباشر التأثير يكون فيه الحرص على هذا التمييز أكثر صرامة وما كان منها لا يؤثر إلا بمقدار ما يستدعي من جهد فكري لا يتم من غير النضوح الكافي عند المتلقي فإن حرية المبدع تكون أكبر. ومن ثم فإن الفنون ذات التأثير المباشر أعني الفنون التمثيلية أوغير المجردة (مثل الرسم التمثيلي والمسرح والسينما) هي التي لا بد فيها من الحذر الصارم. أما الفنون المجردة مثل الموسيقى أو الرسم غير التمثيلي فإن حرية المبدع فيها ينبغي أن تكون مطلقة لما أسلفنا من عدم تأثير هذه الفنون كرها لكون أثرها بما يقتضيه الوصول إليها من حهد فكري يكون طوعا. المسألة الثالثة: مدلول إنما أتيت لاتمم كارم الأخلاق 1- مفهوم الاخلاق ونأتي الآن إلى التحديد القرآني لغاية النظرية الفنية وعلاقتها بمنزلة الاسلام في تاريخ الرسالات الاسلامية ومعنى كونه اتماما لمكارم الاخلاق. وقبل تحديد هذه العلاقة لا بد من تفسير غياب عنوان القيم الخلقية في منظومة القيم الخمسة التي اعتمدت عليها تحليلاتنا. فالأخلاق ليست عندنا ضربا من ضروب القيم بمعزل عن القيم الأخرى أو بجوارها بل هي تمامها أعني قيامها السوي: إنها مثال مجالها الأعلى جمعا لمعنيي المثال أعني تمام الخلق (جهدا تحصيليا: ومعنى ذلك أن كل موجود من حيث هو موجود جهد قيام يشرئب إلى كماله الذاتي) والخلقة (حصولا: ومعنى ذلك أن حصيلة الجهد هي في كل لحظة من لحظات التحصيل كمال صوري يوحد ما تقدم من مراحل التحصيل ويوجه ما يلي منها). ومن ثم فنسبة الأخلاق بهذا المعنى إلى أصناف القيم الخمسة هي عينها نسبة الإسلام إلى الأديان الكونية المنزلة (قبل تحريف بعضها ليتحول إلى أديان قومية) الخمسة الرئيسية التي تقدمت عليه. فمثلما لا تعد الاخلاق ضربا سادسا من القيم بل هي معنى كونها تلك القيم فإن الاسلام ليس رسالة سادسة بل هو معنى كون تلك الرسالات هي تلك الرسالات. لذلك كان الاسلام دينا نقديا للتحريف بالجوهر واستئنافا واحياء للرسالات لا رسالة جديدة. فكان مجيء محمد بهذا المعنى متمما لمكارم الاخلاق. فالأخلاق لا تعني ما فهمه الفقهاء حصرا إياها في احدى ثمراتها اعني سياسة التعامل بين البشر بل هي تمام القيم من حيث فعل تحصيلها وحصيلة هذا الفعل. ذلك أن السياسة يمكن أن يستغني أصحابها عن الأخلاق إذا عدمت فيهم الأخلاق كما نراه في كل الآفاق من الوطن الذي يعاني من الاختناق من الكذب والنفاق. فتكون مجرد منظومة من الحيل للنجاح كما هو الشأن عند الساسة والتجار وكل محتال من النخب التي تريك العجب بما تحذق من التلون والكذب. وهذه الرسالات التي سيكون الاسلام تمامها الخلقي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما هي: 1- الرسالة الآدمية تأسيسا لنظام الحياة الاسرية على الذوق والجمال 2- والرسالة النوحية تأسيسا لنظام الحياة الاقصادية والمال 3- والرسالة الابراهيمية تاسيسا لنظام الحياة المعرفية على النظر والسؤال 4- والرسالة الموسوية تأسيسا لنظام الحياة المدنية تأسيسا على العمل والجلال 5- والرسالة العيسوية تأسيسا لنظام الحياة الروحية وادراك المتعال. ولما كانت الرابعة والخامسة قد حرفتا تحريفا أفسدت به الخامسة الأولى بأن نفت مبدأها أعني حلية الجنس وتحرير آدم وأبنائه من الخطئية وأفسدت به الرابعة الثانية بأن نفت مبدأها أعني كونية الرسالات وانجاء كل البشر من الغرق كان لا بد أن يأتي من يذكر بها جميعا من منطلق الرسالة الثالثة التي لم تحرف والتي كفرها التحريفان. وقد أنطلق منها الاصلاح المحمدي لأن القرآن الكريم أجاب ابراهيم عليه السلام: " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمت فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لن ينال عهدي الظالمين" (البقرة 124). فكانت الرسالة المحمدية مسك الختام احياء للحنفية التي هي بناء على ما تقدم عليها واعداد لما تلاها من غير تحريفاتها. لذلك فهي بهذا المعنى تمام مكارم الأخلاق. وإذن فالمقصود بالسوي ليس أمرا معياريا. إنما القصد كون الاصناف تحصل بحسب ما تقتضيه فطرة الله التي فطرتها. فإذا كانت قيم الذوق وقيم الرزق وقيم النظر وقيم العمل وقيم الوجود ما هي كان ذلك هو المقصود بالحالة السوية. ولنضرب مثالا. فالقيم الذوقية يمكن أن تكون غاية لذاتها. ويمكن أن تكون مجرد أداة لغيرها. فتسعمل في التسويق (اقتصاديا). كما تستعمل في الدعاية (ايديولوجيا). فيكون الفن عندئذ قد أصبح أداة للشر. لم يبق فنا سويا. بل هو لن يبقى سويا حتى لو استعمل أداة في الخير. فلم يكن خيرا لذاته. وكذلك الرزق. فهو قيمة إذا كان رزقا للحياة ورمزا لشروط الاطمئنان لتقلبات الزمان الاطمئنان الذي يحرر الفرد والجماعة من التبعية الناتجة عن الحاجة. أما إذا تحول أداة كبر وتعد على الآخرين فإنه يصبح غير سوي لأنه لا يحرر بل يستعبد. وهكذا بالنسبة إلى كل أنواع القيم التي أحصينا: ذلك أن تمام الخلق هو الطابع السوي للخلقة ومن ثم فهو كون الشيء موافقا لمفطوريته التي فطرته عليها فطرة الله. الآن يمكن أن نسأل عن نظرية القيم الذوقية كيف أتمها الاسلام في صيغتها النهائية أو كيف كانت الرسالة المحمدية تمام نظرية القيم الذوقية. وقد نجد أكبر الأدلة النقلية في أمرين يهملهما من لا يفهم طبيعة الثورة المحمدية ولا قيمتها إلى حد جعلها ضديدة نفسها: الأول هو تبرئية اللذة عامة واللذة الجنسية خاصة تبرئتهما من التأثيم والثاني هو العناية بالجسد إلى حد تحقيق أكبر ثورتين في تاريخ الوقاية الصحية أعني نظافة المدخل والمخرج بالنسبة إلى الصلة الحيوية بين حياة الجسد وحياة الكون أو الغذاء. أما الجواب العقلي فهو بتعيين ما أضافه التحديد المحمدي ذي المنطلق التاريخي وما بعده للتحديد الأرسطي ذي المنطلق الطبيعي وما بعده ببعديهما المعرفي والخلقي. فكيف صار البعد المعرفي والخلقي اللذين يعدان غاية تاريخ الانسان الطبيعي في منظور أرسطو الطبعاني منطلقين لجعل الإنسان مبدع تاريخه الثقافي الدال على كونه فاعل تاريخه (انتقال نظرية الذوق من علم النفس إلى علم الاجتماع) بالسنن التي ينظم بها حريته تنظيما لا يكفي فيه التفسير الطبعاني رغم أن الدين المحمدي يؤسس كل شيء على مفهوم الفطرة الذي ظنه أصحاب الفكر الكليل من جنس مفهوم الطبيعة الفلسفي؟ إن دور الفن عامة والأدب خاصة هو المرحلة الرمزية من صنع التاريخ الحضاري للامم طابقا أعلى فوق التاريخ الطبيعي في الرمز بالحيز المكاني رغم كونه متقدما عليه في الرمز بحيز الشرف والدور. فهو فعل فطري بشرط أن نفهم الفطرة بمعنى الخلقة القرآنية لا بمعنى الطبيعة الأرسطية. فالقرآن لا ينسب الفطرة إلى المفطور بل إلى الفاطر: فهي فطرة الله لا فطرة الانسان وإذن فهي تعود إلى الفاطرية لا إلى المفطورية. ومن ثم فالمقصود عملية التحصيل الحي الناتج عن النفخ الالهي في الانسان من حيث هو في كل لحظة من لحظات مجراه حصيلة مبدعة: قيم الذوق هي التعين الأول للنفخ لأنها أصل كل الادراكات التي هي تذوقات بالأساس ومن ثم فهي اتصال حي بالكون كله اتصالا هو في نفس الوقت ادراك وقيام يجعل الطبيعة تشرئب إلى ما يسمو عليها كما حول النفخ الطين إلى كائن متنفس. لذلك فنسبة الابداع الفني إلى الابداع التاريخي في مجالات القيم الاخرى جميعا هي نسبة الرؤى الصادقة إلى اليقظة. وإذن ففنون الأمة هي أحلام اليقظة التي يحاكيها تاريخها الفعلي من حيث هو الابداعات في اصناف القيم الاخرى. ومن ثم فإذا انحط الفن صار محاكاة للتاريخ بدل أن يكون مثالا اعلى له. ذلك ما يمكن أن نستنتجه من سورتي يوسف والشعراء تحديدا للبعد المعرفي والبعد الخلقي من منطلق التحديد التاريخي وما بعده ببعديه الموازيين لما يناظرهما من التحديد الطبيعي الارسطي وما بعده. 2- بعد الذوق المعرفي (= يخص العقل) من منطلق التاريخ ففي تعريف البعد المعرفي من منطلق التاريخ يقول جل وعلا في قرآنه الكريم: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" (يوسف 3) محددا الهدف المعرفي التاريخي لفن القص القرآني. إنه التنبيه من الغفلة بأحكام العمران البشري والتاريخ الانساني في صلتهما بما بعد التاريخ كما تحددت في سورة يوسف عليه السلام. وإذن فأفعل التفضيل تعني هنا أن ما ورد في قصة يوسف من الأحكام يعد المثال الأعلى لطبيعة العلاقة بين ما يحصل في الابداع الرمزي وما يتحقق في الابداع الفعلي. فكيف يحدد القص في سورة يوسف منطق التاريخ الإنساني كله في صلته بما بعد التاريخ؟ فرضيتنا هي أن القص فيها يظهر هذه الصلة في التفاعل بين أصناف القيم الخمسة التي هي رهان العلاقات البشرية في المؤسسات التي لا يخلو منها عمران لكونها من جنس الوظائف العضوية في الكائنات الحية. وتعد هذه القيم غايات والمؤسسات أدوات شرط السلم الاجتماعية في مجريين متطابقين: 1- مجرى الحصول الرمزي في الرؤى التي تفهم بالتعبير معنى أولا لعلم تأويل آيات الله ومجرى الحصول الفعلي لعمل التأويل. لذلك فالسورة ورد فيها التأويل بمدلوليه القرآنيين: أعني تعبير رموز الرؤيا لاستخراج مدلولها (وهو ما قام به يوسف ثلاث مرات في القصة: تأويل رؤيي السحينين معه وتأويل رؤيا الحاكم) 2- ومجرى التحقيق الفعلي لما يتوصل إليه الحصول الرمزي من مقومات يقتضيها الواقع التاريخي بحسب النضوج المتدرج للوعي النظري والتحقيق العملي وهو المعنى الثاني من معاني التأويل القرآني(وهو ما حصل فاكتفي يوسف بملاحظة حصوله في التأويل الأخير للرؤيا الأولى التي بدأت بها القصة). وإذن ففي سورة يوسف تفاعلت صراعات القيم (الغايات) في مؤسسات العمران البشري (الادوات) بأصنافها الخمسة الرئيسية (مؤسسة التربية ومؤسسة الاقتصاد مؤسسة التعليم ومؤسسة السياسة والمؤسسة الدينية) لتمثل المحرك الفعلي للتاريخ من خلال تحريك يخضع لمنطق حبكة القصة الحادثة في مابعد التاريخ رمزا إليه بالرؤى الأربع (رؤيا يوسف ورؤيا السجيين ورؤيا الفرعون) وفي التاريخ رمزا إليه بالتحقق المتدرج للرؤى الاربع. فتكون القصة اعتبارا يوقظ من الغفلة للوعي بآليات التاريخ البشري في صلته بالارادة الالهية صلة ترتبط مباشر الارتباط بأنواع القيم الخسمة. لذلك فقد كانت حبكة القصة لحمتها منطق المؤسسات العمرانية من حيث هي حيز درامي للعلاقات البشرية وسداها صراع القيم التي هي هدف الحياة الجماعية وموضوع التشريعات الاهية كانت أو بشرية بحسب الأفضل الذي يتوصل إليه الاجتهاد (علما) والجهاد (عملا) الانسانين: القيم الذوقية (التي وردت مرتين جمال يوسف ومنزلة يوسف عند أبيه) والقيم الرزقية (التي وردت مرتين: يوسف والتجار ثم يوسف وتنظيم الثروة بحسب التوقعات المناخية) والقيم النظرية (التي وردت مرتين تأويلا للرؤى وتوقعا للمستقبل) والصلات العملية (وزارة يوسف واشرافه على تنظيم الحياة الاقتصادية المصرية) والقيم الوجودية (استناد كل القيم السابقة على صلة يوسف وأبيه بالله وعدم نسيانه في اللحظات الحرجة). ولعل مقارنة سريعة بين نصائح يوسف للفرعون كما رودت في التوراة وكما أوردها القرآن تفهمنا علة وصف القصص هنا بكونه أحسن القصص وعلة كون الاسلام متمما لمكارم الاخلاق. فهو قص للنماذج التي بفضلها يكون الفن وسيطا بين ما بعد التاريخ والتاريخ وساطة تنقل ما يحدده الأول مثلا تدرك ادراك رؤى إلى ما يحدده الثاني تحقق تحقيقا يتعاضد بفضله الابداع الوجودي في مابعد التاريخ والابداع الخلقي بتوسط الابداع الفني في القص القرآني. ففي التوراة جعل التحريف القصة تظهر يوسف وكأنه صاحب سوء ينصح حاكم مصر بخزن المؤن للسنوات العجاف ليسترق بها كل المصريين مقايضا إياهم أراضيهم بالغذاء. لذلك فهو أصبح في الصورة المحرفة مؤسس الاقطاع في مصر القديمة وليس النبي الذي يحدد القرآن الكريم أخلاقة السامية في علاقات الرحم والخدمة والعلم والنصيحة السياسية ومباشرة الحكم. أما في القرآن فهو قد أصبح ممثل مفهوم العدل الاسلامي ومؤسس التوزيع العادل للرزق شرطا للاخوة البشرية: وذلك هو المقصود بمكارم الأخلاق لأن تمام القيم هو كونها غايات بذاتها وليست وسائل للظلم والعدوان. 3- بعد الذوق الخلقي (= يخص الارادة) من منطلق التاريخ أما في تعريف البعد الخلقي من منطلق التاريخ فيقول جل وعلا في سورة الشعراء : "والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" (الشعراء 224-227). وليس من اليسر فهم هذه الآية إذا واصلنا قراءتها من منطلق مدلولها السطحي دون ربطها بالمعنى المعرفي من الادراك الفني في المفهوم القرآني الذي حللنا من منطلق سورة يوسف. وأولى ملاحظاتنا هي أن الأمر لم يعد متعلقا بالمعنى النفسي من التطهير. لن نعامل النفس معاملة طبيعية بوصفها محل الفعل والانفعال العاطفي الذي يطهر الفن تجلياته وتعبيراته بل سنعاملها معاملة تاريخية بوصفها ملتقى العلاقة الوطيدة بين الابداع الذوقي والابداع الخلقي أساسين للحياة الجماعية والفاعلية التاريخية فيكون التحقق الرمزي ممهدا للتحقيق الخلقي بالمعنى العام الذي يتضمن تمام أنواع القيم الاخرى جميعا: كيف يتحقق التطابق بين القول والعمل في فعل الانسان الذي لم يعد غافلا؟ ولا يعني ذلك فهما أفلاطونيا للفن فنطرد الشعراء لئلا يشوشوا على الجمهورية ونعيدهم إليها بشرطه الذي هو عين شرط الفقهاء والغاية التي وصل إليها المنظور غير السوي في الواقعية الماركسية والنفعية المسيحية الصهيونية . كذلك فهمت الآية الأخيرة إلى حد الآن. وذلك لأنها قرئت بمعزل عن دور أباديع الذوق في القرآن نفسه فضلا عن الدور الذي يحدده لها في الحياة المدنية. فدور الفن في القرآن نفسه لا بد من ربطه بأول فهم للاعجاز القرآني بدر إلى ذهن الأمة: إنه الاعجاز الفني سواء تعلق الفن بخصائص التعبير اللساني العادي أو بالفنون المستعملة لغة من القوة الثانية للتبليغ وخاصة لغة القص القرآني. وأما الدور الذي يحدده له في الحياة فهو مضمون الآية الاخيرة من آيات الشعراء الخاصة بالشعراء بشرط ربطها بمعنى الاعجاز الفني وبمعنى الآيات الثلاث المتقدمة عليها: 1- فالآية 224 تشير إلى طبيعة تأثير الشعراء المذموم: أعني ما آل إليه الفن عامة والأدب خاصة في الغاية التي انحط إليها الفن كما تعين في نقيض الحل الافلاطوني المسيحي. 2- والآية 225 تشير إلى بطالتهم: أعني ما آل إليه حال المبدعين الذي صاروا يعيشون على ما يجعلهم عبيدا لاصحاب القيم الرزقية الذين يعولونهم ويغذونهم بالسموم كما تفعل الأحزاب المافياوية الحاكمة عندنا. - والآية 226 تشير إلى الفارق بين قول الشعراء وعملهم علامة على عدم الصدق ليس بمعنى الصدق المطابقة مع الموضوع (وإلا لصار ذلك دعوة للواقعية التي هي المطابقة مع الوقوع أو السقوط) بل الصدق بمعنى المطابقة مع الذات التي تخلصت من الغفلة. وبذلك نحافظ على الاباديع fictions دون أن يؤول الابداع إلى التوهيم التخديري الذي يوطد الغفلة عن المقدس. فالفن هو محاولات السمو إليه بالرسم الأمين للصراع القيمي بأنواعه الخمسة وصراع التعامل مع الذات ومع الآخرين من أجل القيم الخمس في العمران البشري. لينتهي في الآية الأخيرة إلى تحديد المعيار الذي يحدد طبيعة الشعر ورسالته. فأما طبيعة الشعر فهي معرفية مابعد تاريخية أعني التنبه إلى المقدس وعبادته وهو عكس الغفلة. وأما رسالة الشعر فهي خلقية تاريخية أعني التغلب على الظلم. فيتبين من المقارنة بين التحديدين الديني والفلسفي أن ارسطو قد اهتم بالوظيفة الطبيعية من بعدي الفن من حيث هو ادراك معرفي ومن حيث هو سلوك خلقي دون أن يعالج الكيفية التي تحقق بها الوظيفة الطبيعية هذين البعدين المعرفي والخلقي في الوجود التاريخي. لكن التعريف المحمدي يبين كيف يكون ادراك الممكن (الادراك الفني حسب أرسطو) وسيطا بين ادراك الضروري (الفلسفة) وادراك العرضي (التاريخ) شرط ادراك الضروري وشرط ادراك العرضي بل وكذلك شرط وجودهما الفعلي لأن الفن ليس أدراكا لسابق الوجود بل هو إيجاد لما لم يوجد بعد بفضل كونه شرط نقل الإنسان من الغفلة عن آيات الله إلى اعتبار ها (بداية سورة يوسف) وشرط نقله من الاقتصار على الابداع الرمزي (الهيام في الوديان) إلى الابداع الفعلي (عمل ما يقول) بفضل الصدق في ادراك المتعالي والعمل على مصارعة الظلم. وقد يفهم سطحيو الفكر أن تأويلاتنا التي تصل الفن بالدين تنتهي إلى جعل الفن بهذا الفهم خاضعا للفكر الفقهي. وما ذلك إلا للظن السخيف بأن الدين هو تصوره الفقهي. فالدين من المنظور الفقهي ليس إلا مصدرا للتنظيم التعبدي والقانوني للحياة الخاصة والعامة. فيكون الدين لو حصرناه في منظور الفقه فكرا يجعل الآخرة مطية الدنيا أي إن العقيدة تصبح عندئذ في خدمة الشريعة والشريعة في خدمة المصالح الدنيوية غاية بذاتها وليس مطية لما يسمو عليها. فتكون الشريعة مجرد قواعد لضبط السلوك وسلطة خارجية تراقب تطبيق هذه الضوابط فتتدخل بطلب من صاحبه (الفتوى) أو من غيره (القضاء) أو من السطة العامة بحسب درجات تدخلاتها في العقائد (النظام العام). والمعلوم أن جل علماء الاسلام الكبار يعتبرون أغلب الفقهاء لهذا السبب بالذات أقل الناس علما بجوهر الدين بل وأقلهم عملا بقيمه الحقيقية. فأغلبهم يصيبه عيب مهني يجعله أكثر الناس تحيلا على قيم الدين الحقيقية من أجل ظاهر الحياة العملية التي تكاد تقتصر على ما لا يتعارض مع مصالحهم المادية. ولولا ذلك لما احتاج الغزالي إلى التفكير في احياء علوم الدين بالتصوف (ذوقا وجدانيا) والفلسفة (علما عقليا) حتى يتخلص من قتلهم الدين وعلومه. عساهم نسوا أن الله لو كان يريد سياسة سد الذرائع التي يتوخونها لأغناهم عن الذرائع بعدم خلق الغرائز وبعدم امتطاء الدنيا للاخرة بل وبعدم خلق الانسان أصلا ولاستمع إلى احتجاج الملائكة الذين يعتبرون الإنسان غير أهل للاستخلاف لكونه يفسد في الارض ويسفك الدماء. ما كان يمكن للانسان ان يسمو إلى المتعاليات من دون مصارعة المتدانيات. لذلك علمه الله التسمية ليكون قادرا على الصياغة الرمزية ذوقا قبل الصياغة المعرفية علما والصياغة التقنية تطبيقيا للذوق والعلم فيتمكن من السلطان على صراعاته القيمية التي هي لحمة العمران وسداه بدءا بالمتدانيات التي تعد معاناتها سلم السمو إلى المتعاليات في مجالات القيم الخمسة. وهدف الفن دراسة دراما هذا الصراع بصورة لا تقصره على ما يحصل مع من يستطيع بيسر أن يبلغ القمة كما فعل يوسف. نبينا يبين أن التغلب والتسامي يكونان أتم إذا بدآ من أدنى السلم إلى أقصاه عندما يكون التحصيل بحسب ما هو في مستطاع الانسان العادي بهدي من النماذج دون الزعم بالتطابق معها: ولولا ذلك لكانت حجة من يريد أن يخرج السياسة والجهاد من الدين حجة صحيحة ولأصبح الدين الدين الاسلامي خاضعا لاخلاق تجانس النفاق البابوي والرهباني ورعا وتقوى في الظاهر و" أكثرهم فاسقون" في الباطن. وما أظن أحدا بحاجة إلى التذكير بأن الرسول الكريم برأ الغرائز والصراع من أجل مطلوباتها تبرئته لصراع الارادات في التاريخ لأن معاناة الأولى هو معين مكارم الأخلاق مثلما أن معاناة الثانية هو التسابق في الحسنات بمنطوق القرآن الكريم نفسه. وهذه التبرئة هي التي جعلت السياسة تصبح أسمى أعمال الانسان إذا كانت في خدمة القيم ومثلها الفن إذا كان اجتهادا لمعرفة كمائن النفس البشرية رمزيا لعلمها والسلطان عليها والارتفاع بها إلى مكارم الاخلاق. لم يلغ الاسلام الحرب والقتال والصراع الرزقي بل هو وضع لهما قيما لتحقيق الوعد بأن الارض يرثها العباد الصالحون. ولم يلغ الغرائز والصراع الذوقي بل وضع لهما قيما لتحقيق الوعد يعد السمو الدنيوي إلى الرفعة الاخروية. وسورة يوسف تبين نموذج الغاية وتشير إلى منطلق البداية لذلك فهي لا تكون ذات معنى إلا بكل ما يمكن من النقلة من البداية الى الغاية. ولا يحصل ذلك من دون الجمع بين الابداع الرمزي في كل أجناس القيم والابداع الفعلي فيها ليحصل الابداع التاريخي. فالابداعان يتحدان في الابداع التآنسي لأن أجمل الفنون هو فن التقاسم المعيشي بين البشر حيث يبلغ الفن ذروته في الادراك المشترك للذة والسعادة الدنيوية عينة من الوعد: علما وعملا. وذلك هو البعد المقدس من الفن الذي لا ينبغي أن يرتد إلى المتعة الذاتية من دون مشاركة جماعية إذ اللذات الحقيقية لا تكون فردية بما في ذلك اللذات الجسدية. فأسمى هذه اللذات هي اللذة الجنسية وهي لا تكون كونها الحقيقي إلا توحيدا بين الجنسين بدليل أن أكبر دليل على فشل الفعل الجنسي حصول اللذة القاصرة لاحدهما من دون الآخر. لذلك فقصة موسى لم تنزهه عن مفعول الغرائز بخلاف ما يحاول الفقهاء والمفسرون عمله. فهو وامراة العزيز كلاهما هم بالآخر. الفرق ليس في حدوث الهم فقد جربه الاثنان بل في عدم حدوث التذكر الذي غاب عند زوجة العزيز. ولا يمكن لمن يحسن القراءة أن ينكر أن كل اللذات التي يمكن تصورها حتى في الخيال الجامح أوردها القرآن في وصف الجنان بما فيها من لذات وولدان. وقد بنى عليها المحاسبي محاولته في التوهم لكي يبين أن اللاتناهي الذي يصل إليه الانسان ليس متعلقا بكم اللذات بل بلاتناهي القدرة على ابداعها بمجرد تخيلها فيصبح فعل الادراك الانساني مبدعا وجوديا وراء الابداع الرمزي المعبر عما يدرك من الموجود الحاصل بل هو يصبح من جنس كن الالهية: يبدع كل ما يفكر فيه فيكون فعل الادراك فعل ابداع رمزي متقدم على المرموز بل وموجد له. وتلك هي غاية الفن حتى في الدنيا. فإذا توفرت فيه الشروط التي وضعتها الآيات التي شرحنا يصبح مبدعا للآفاق الجديدة في الامكان المطلق الذي يعرف ارادة الانسان الخلاقة رمزيا في الفنون والآداب وفعليا في الاخلاق والسياسة خاصة بوصفهما شرطي الخلق في مجالات القيم جميعا. وإذا تخلصنا من الأوهام كانت نسبة الفن المبدع حقا إلى الفن الموهم هي نسبة الجنس الحقيقي إلى الاحتلام. الخاتمة وفي الجملة فإن النخب العربية بكل أصنافها تخلت تخليا شبه تام عن المؤثر الرمزي المستمد من الحضارة الاسلامية لسيطرة النخب العربية غير الاسلامية على النجومية الفكرية. ذلك أن النخب التي تتكلم باسم الدين ليست أقل اهمالا لهذا المؤثر من النخب المتكلمة باسم العقل. فهم لم يفهموا بعد أن الرمز لا يواصل التأثير بمجرد علاقة بالماضي مقصورة على التذكير وعلاقة بالحاضر منحصرة في التشهير بل لا من التدبير والتحيير. فمن دون التدبير يكون التذكير مجرد تغبير. ومن دون تحيير يكون التشهير مجرد تكدير. فهم بذلك قد خلقوا كل النجوم العلمانية التي تجتر سطحيات فكر التنوير وثرثرات فكر التثوير بعلم زائف وعمل ناحف. والتحيير مستحيل من دون الاجتهاد والتخيير لأن قدر العقل الجول والصول بين الأزل والأبد دون سد أو حد. لذلك أقدمنا على مجازفة التحيير في أهم مجالين قتلهما إلى حين ترديد التذكير وتشديد التشهير: مجال القيم الذوقية ومجال القيم الوجودية. ذلك أننا نعتقد أنه لا يكفي لتفسير انحصار شبه الابداع في العرب المنتسبين إلى ملة أخرى او إلى بقايا الفرق الغالية أو إلى العلمانية الليرالية أو الماركسية كما ينسب ذلك البعض إلى شيخ النقاد المرحوم احسان عباس. فلا بد أن نعلل العقم بقتل آفاق التحيير للجهل بأن الابداع مصدره الحيرة الوجودية التي من دونها لامعنى للنبوة من حيث هي مناظرة في القيم الوجودية نظرية العبقرية في القيم الذوقية ومحو شروط التخيير للغفلة عن أن الابداع لا يمكن أن يحصل من دون مطلق الحرية في التجريب. ومن السخف تطبيق الاحكام الشرعية في فعل الابداع حتى من المنظور الشرعي: فهو عمل رمزي من جنس السرائر او حديث النفس الذي برأه النبي نفسه من الخضوع للاحكام. لكن القتل والمنع مع ذلك بلغ حدا حال دون المسلمين من العرب والاسهام الفعلي في الحضارة الرمزية بعد ما كان لهم في الجاهلية حتى باتت الابداعات الفنية لا تصل إليهم إلا في مستوياتها الردية - بعد أن صارت نبتة مرمية- وبتوسط الاقليات الهامشية في الحضارة العربية الاسلامية. لكن العلاج الفلسفي لما أصاب النخب والقيم في مرحلتنا التاريخية الحالية وحده لا يكفي. فلا بد من التصدي للآزف من المآسي بنفس المنطق المتجاوز لامراض النخب التي قضت على وحدة الأمة. ذلك أن استراتيجية العدو ذات المنظورين الاستلابيين اللذين أفسدا تصور الماضي والمستقبل تعتمد على نوعين من الحلفاء الداخليين. ولعل خطر الأعداء الداخليين أكبر من خطر العدوين الخارجيين حاليا ومن خطر فكي كماشة الأعداء المنظورين. فحلفاء الأعداء في أضيق الداخلين (الوطن العربي) وفي أوسعهما (العالم الاسلامي) كلاهما أخطر على الأمة من امريكا واسرائيل إذا لم نحسن التعامل مع صورتي الماضي والمستقبل المشوهتين تعاملا يلغي شرور الفتنة الداخلية بهذين المعنيين. لكن خطر ممثليهما من النخب الثلاث التي ضربنا منها أمثلة وجيزة يبقى دون خطر النخبتين اللتين خصصنا لهما فصلين لأن علاج النوعين من العداء مرهون بعلاج خطر الفصام الذي أصاب هاتين النخبتين. والمعلوم أن تعينات العداوتين وشراستهما تختلفان من حيث الحدة بحسب التجمعات الجهوية العربية الخمسة تنازليا: بدءا بمجموعة الهلال فمجموعة الخليج فمجوعة القرنين فمجموعة النيل فمجموعة المغرب العربي. لكنها تشترك جميعا في ما أدى إليه تصورا الماضي والمستقبل هذان من أدواء كامنة هي أسباب الفتنة بنسب متفاوتة بعضها موجود قبل الاستعمار وبعضها أوجده الاستعمار أو هو بصدد إيجاده كما هو الشأن بالنسبة إلى التنصير في بعض مناطق افريقيا الاسلامية ما دون الصحراء وما فوقها. ولعل أفضل ممثل لتعين هذه العلل وشراستها ما نراه في العراق. ولعل ذلك هو ما يعلل كونه أول بلد سعى الامريكان إلى تفجيره. وقد يليه السودان. ولعل دور السعودية فسورية فليبيا فالجزائر فالمغرب فمصر ليس بالأمر المستبعد إذا لمن نتدارك الامر بخطة جريئة تبدأ بحماية العراق مما فيه من ميسرات لعمل العدوين ومن تحويله إلى بؤرة بيد الارهاب فضلا عن ابقائه مجرد ورقة في المقايضة الإيرانية مع أمريكا. فلم يعد بالامكان التردد في الرد بالسرعة والدقة اللازمتين. ففي العراق نجد كل هذه العلل بأقصى ما يمكن أن تبلغه من الحدة: 1- علة العرق في (بين العربي والكردي مثلا) 2- وعلة النحلة (بين السني والشيعي مثلا) 3- وعلة الملة (بين المسلم والمسيحي مثلا) 4- وعلة التمايز الجهوي (بين المناطق البترولية والمناطق غير البترولية) 5- وعلة الثقافة (بين الأصولية الدينية التي عادت إلى العشائرية والاصولية العلمانية التي عادت مع الدبابة الأمريكية). لكن أي رد لا ينطلق مما يقتضيه الوضع المحدد والملحلل بصورة موضوعية لفهم ما فيه من ميول وتوجهات حقيقية لن يكون ذا جدوى تذكر. ولحسن الحظ فإن كل الظروف حول العراق تحول دون توجه آثار هذه العلل الوجهة التي يريدها لها العدو إذا نحن أحسنا العلاج وترتيب الأوليات. فيمكن قلب الأمر على الأعداء الخارجيين إذا ركزنا على الفصل بينهم وبين الاعداء الداخليين. ذلك أنه لو كانت هذه العلل لا تهدد إلا العراق وحده أو العرب وحدهم لأمكن للعدو أن يستغلها بصورة تؤدي حتما إلى تفجير العراق والانتقال إلى تفجير الكيانات العربية الكبرى الأخرى. فاللحظة التاريخية فرضت على أمريكا خيارا تصورته أحسن بداية فكان أسوأها: العراق. تفجير العراق في حد ذاته أمر يسير. لذلك بدأت به أمريكا. لكن تفجيره يمكن أن يكون بداية لفوضى عارمة ستعم كل المنطقة بقومياتها الثلاث المؤثرة (العرب والفرس والترك). وهذا يقتضي أن أمريكا نفسها ستراجع حساباتها. ستعتبر ذلك مضرا بمصالحها في سعيها للتوقي من الاقطاب المقبلة. ومن ثم فهو يوجب عليها السعي إلى التحالف مع البعض ضد البعض أو مع كل المسلمين إذا حزموا أمرهم فنظموا شبة تنسيق استراتيجي ايجابي يناسب مفهوم الشرق الأوسط الموسع. ولما كان الأمر يهدد الجميع في المنطقة فإنه لا يمكن لأمريكا أن تنجح في تأليب الأتراك والفرس مثلا ضد العرب ولا هؤلاء ضد أولئك. لذلك فالفرصة سانحة للرد الموجب المؤثر. لا بد من الشروع في العلاج بدءا بالعراق وبصورة سريعة. فسلبا يمكن للحرب الأهلية العراقية أن تحول العراق إلى افغانستان ثانية خطرها علينا أكبر من خطر الاحتلال الامريكي لأن العرب اليوم ليست لهم الشجاعة حاليا فضلا عن عدم نضوج الشروط لخوض حرب أهلية شاملة للتحرر من الاستعمار وعملائه سلبا وللتوحيد القومي إيجابا. أما إيجابا فإن أي نجاح حتى وإن اقتصر على السلب (منع العدو من تحقيق أهدافه) سيضغف الميل إلى نفس المغامرة العراقية في المجموعات الأخرى. ومن ثم فقد بات من الواجب أن يخير العرب والمسلمون أمريكا بين حلين: 1- إما ترك العراق للجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي يعيدان إليه الاستقرار ويحافظان على وحدته بتكليف من مجلس الأمن فيكون ذلك أول اعتراق دولي بفضاء جغرافي سياسي إيجابي (لان هذا الفضاء معترف به سلبيا على الأقل في مفهوم الشرق الأوسط الموسع) تعالج فيه القضايا العربية الاسلامية علاجا تقره المنظمتان وإن بالتعاون مع المجتمع الدولي. 2- أو الدخول العلني والصريح في الحرب ضدها وعدم قصر المقاومة على المعارضة التي لا تمثل إلا وجه واحد من الفعل السياسي حتى في حال اعتراف الانظمة الحاكمة بها اعترافا ينبغي أن يكون مشروطا بخضوعها لاستراتيجية اسلامية غير مقصورة على الفوضى الحالية: لأت استعمال القوة بمنطق المقاومة الشعبية من دون خطط سياسية مؤثرة للوصول إلى الحلول السياسية التي هي بالطبع حلول تدريجية ليس مفيدا ما لم يكن في اطار استراتيجية لا تستثني التفاوض مع العدو بل تقتضيه وتوجبه. وهذا الخيار الثاني آت لا ريب فيه. فأمريكا واسرائيل ستضطران لاعلان الحرب على كل المواقع الصامدة بمجرد أن يتبين لهما أن ما يجري حاليا هو حرب استنزاف طويلة لا يقدران عليها حتى وإن لم تكن مقصودة من القيادات العربية ولا مخطط لها. لذلك فالأفضل أن يكون تعميم الحرب التحريرية فعلا يبادر به العرب والمسلمون بالقصد والتخطيط في مرحلة أولى ثم بالتصريح والاعلان إذا حان الأوان الذي حددته الخطة مع عرض صريح للمقايضة مع أمريكا واسرائيل بدل من أن يجبروا عليه في شكل رد فعل فلا يكون بحسب ما يرسمونه من أهداف. والمعلوم أن ايران وتركيا لن تسعيا في مثل هذه الحالة للتدخل المعارض لهذا العلاج أولا لانهما تسهمان في الحل من خلال المؤتمر الاسلامي وثانيا لأنهما تخشيان انفراط عقد العراق خشية العرب منه. فيكون الحل الحفاظ على الخريطة السياسية الحالية جغرافيا (كما هو الشأن في أوروبا) وتعالي الفعل السياسي عليها بمنطق جغرافي سياسي موجب يقلب منطق الاستعمال السالب من قبل أمريكا تحت مصطلح الشرق الأوسط الموسع ليجعله الشرق الاسلامي الواسع: أي إن مناسبة الصلح بين العرب والفرس والترك باتت أمرا غير مستحيل ومن ثم فجعله راجحا بات امكانية سياسية معقولة تتجاوز سايكس بيكو وتعيد المبادرة لأصحاب المنطقة وتوفر فرصة الصلح بينهم وبين القوميات الثلاث الاخرى أعني الكرد والبربر والزنج. وفي هذه الحالة يمكن أن تكون البداية في علاج ملف العراق بوصاية الجامعة والمؤتمر الاسلامي على العراق لعلاج العلل التي تنخر كل الكيانات الاسلامية عامة والكيانات العربية خاصة وصاية مقبولة من العراقيين ومن مجلس الأمن ومشفوعة بخطة بآجال مسماة: 1و2-العلة الدينية بفرعيها (النحل والملل) 3و4- والعلة التاريخية بفرعيها (العرقية والاقتصادية) 5- وأصل جميع العلل أعني العلة الثقافية التي تعبر عنها حرب الأهلية بين الأصلانيتين. وبذلك فإن أعداء الداخل الاوسع يصبحون حلفاء على اعداء الداخل الأضيق بمجرد الحيلولة دون استعمال العدو لكلا النوعين من العداوة فيتحد المجال الجغرافي السياسي إيجابيا بعد توحيد العدوه له سلبيا. * د. أبو يعرب المرزوقي : الجامعة الاسلامية العالمية ماليزيا طالع الجزء الأول عولمة النجومية وفصام النخب العربية 2/3
2- العلاج التصوري لكن الحل الكلامي بات مسيطرا على الفلسفة الحديثة منذ ما يزعمه السطحيون قطيعة مع العصور الوسطى وبداية الحداثة. وقد اتضح الأمر خاصة في الفلسفة المعاصرة التي أصبحت تعتبر المدخل التاريخي وما بعد التاريخي المدخل الوحيد المقبول عقلا لفهم الطبيعة وما بعدها حتى إنه ليحق لنا أن نزعم أن علوم الطبيعة تأنسنت بعد أن كان السعي إلى طبعنه العلوم الانسانية. لذلك فإنه يمكن أن نقول إن الفلسفة الغربية الحديثة كلها مجرد ترجمة لكل مقولات اللاهوت القديم والوسيط بعملية تعويض بسيطة جدا في خانة المبدأ. كان الله فصار الانسان. وكان اللاهوت فصار الناسوت. بعد الثيولوجيا تأتي الانثروبولوجيا بنفس المضامين التي لا تدق حتى عن الغافلين. فما يسمى بما بعد الحداثة هو علم الكلام الناسوتي الذي يكرر جدل علم الكلام اللاهوتي رغم جهل العلمانيين بمنطق تطور الفكر الغربي وبالعلاقة الوطيدة بينه وبين الاسلام ما يجعلهم يتصورون العلاقة الصدامية بين الفكرين مجرد عرض سياسي علته تخلف المسلمين. وما أظنهم قرأوا أو تدبروا ان فرضنا أنهم تصفحوا شيئا من العلل التي تفسر أساليب الفكر الغربي المسيطرة في لحظته الراهنة: 1- الهرمينوطيقا (التأويل الثقافي من دلتهاي فصاعدا والوجودي من هيدجر فصاعدا) 2- والانالوطيقا (التحليل المنطقي في بداية حلقة فيينا واللساني في نهايتها) 3- وأثر الأولى في الثانية أو ما يسمى بفكر التفكيك 4- وأثر الثانية في الأولى أو ما يسمى بالنقد الاجتماعي ثم الثقافي 5- ووحدة الكل في علم الكلام الناسوتي أو الانثروبولوجيا سواء كانت تاريخية تحاول أن تكون علمية أو ميتاتاريخية تزعم التأسيس إما على ميتافزيقا الفلسفات أو ميتاتاريخ الاديان. وقد يتصور البعض أن هذه الأساليب المسيطرة وانتقالها من الثيولوجيا إلى الانثروبولوجيا أمر وليد المصادفات التاريخية أو خاصية غربية. لكن الفهم العميق لتاريخ الفكر البشري يبين أن المحدد الحقيقي يرجع إلى عاملين: أولهما "لساني-منطقي" خالص والثاني "معرفي- وجودي" خالص. وكلاهما كوني بالمعنيين التوزيعي والمقوم: فهو يوجد في ما صدق الحضارة أشخاصها شخصا شخصا وفي مفهومها لكونه احد مقومات تصور الحضارة. فأما العامل الأول أو البعد اللساني المنطقي فيرجع إلى التنازع الدائم بين بعدي المفيد الدالي وبعدي المفاد المدلولي في عملية المعرفة إلى حد تحويل نحو الدال ومنطق المدلول إلى مادة تشكيلية تصاغ بحسب التناظر المطلوب بينهما. فبعدا الدال والمدلول الأولان يمكن أن يعتبرا صادرين عن نسبتهما إلى فاعل الافادة الدلالية فيكون تطابق وجهي البراغماتيكا (الدلالة من حيث علاقة المتخاطبين بعضهم بالبعض) أعني التطابق بين الأفعال التعبيرية والمواقف القضوية وبعداهما الثانيان يمكن أن يعتبرا صادرين عن نسبتهما إلى مفعول إلافادة الدلالية فيكون تطابق وجهي السيمانتيكا (الدلالة من حيث علاقة الرموز بالمرموز المحال عليه أو المرجع) أعني تطابق الصيغ القضوية والمعاني القضوية. وبذلك لا يبقى لنحو القول أو السانتاكس (الدلالة من حيث علاقة الرموز بعضها بالبعض) ومنطق المقول أو الترابط الضروري بين الظاهرات (القوانين العلمية) أدنى تأثير لأنهما يتحولان إلى مادة عقلية تنتسج فيهما استراتيجية فعل النطق المصوغة في الرموز لتحقيق التطابق الأول فيحصل ما يمكن أن نسميه هرمينوطيقا أو التطابق الثاني فيحصل ما نسميه أنالوطيقا. ولما كان السانتاكس والترابط الضروري بين الظاهرات عصيين على هذين الردين فإن الحاصل فعلا هو أثر التطابق الأول من حيث هو غاية في التطابق الثاني من نفس الحيثية (التفكيك) أو أثر التطابق الثاني في التطابق الاول (أو النقد) من نفس الحيثية كذلك. تلك هي معادلتنا من منطلق العامل الأول. لكنها لا تكتمل إلا إذا بينا أن الأثرين علتهما أن فاعل الدلالة لم يعد ذاتا لا ذاتا مجردة (الذات المتعالية) ولا ذاتا معينة (الذات النفسية) بل بات حالَ فاعليةٍ لثقافة ومجتمع معينين في احدى لحظاتهما التي هي حصيلة وقوعها ووعيها بوقوعها في علاقتها بفعل الدلالة. كما أن مفعول الدلالة لم يعد موضوعا مجردا (الموضوع المتعالي) ولا موضوعا معينا (الموضوع التجريبي) بل بات حالاً انفعاليةً لنفس تلك الثقافة المعينة في نفس تلك اللحظة بما في حشاياها من متراكم. أما التطابق بين الحالين فهو التفاتح Mutual disclosure بين الثقافة من حيث هي حال فاعلية والثقافة من حيث هي حال انفعالية في تلك اللحظة التي هي منظور التفاتح لكأن الحضارة كائن مدرك (وهي طبعا ليست كذلك) يتألف من تراكمِ وعيٍ بوعيٍ (مركب) يسعى إلى التطابق مع تراكم وعي (بسيط) إلى لا نهاية. فيكون حاصل هذه العملية: التأويل والتحليل حدين غائيين لا يتحققان خالصين أبدا ثم من تصادمهما يتحقق تأويل التحليل أو التفكيك وتحليل التأويل أو النقد الثقافي. وما من ثقافة بلغت درجة الصياغة الواعية بنفسها لفكرها الوجودي الكلي بأسلوبيه النقلي والعقلي إلا ولها هذه الابعاد التي علامتها الرئيسية البلوغ إلى محاولات فلسفة التاريخ والسعي إلى تأسيسه معرفته العلمية. وبذلك يتبين أن البنية التي وصفنا ليست خاصة بحضارة بعينها بل إن كل حضارة لا بد أن تعرف هذه الابعاد الخمسة ضرورة في لحظة النضوج التاريخي: حدان مثاليان ووسطان بينهما ناتجان عن تفاعلهما ثم وحدة الكل التي هي الحضارة من حيث هي كيان حي تتراكم أفعاله الترميزية في أفعاله الترميزية إلى مالا نهاية. والأمر الوحيد الذي يمكن أن يكون خاصا باللحظة الغربية الحالية هو أنها أولى اللحظات التاريخية البشرية التي أدركت غاية ذلك (بالمعنى الاول من الادراك أي وصلت إليها) دون أن تدرك دلالته (المعنى الثاني من الادراك أي فهمت معناه) لأنها لم تسطع تحديد طبيعتها. وتلك هي العلة التي جعلتها تستنج منها عكس ما توجبه. فهي لا تؤدي إلى النسبوية كما يتصور الفكر الغربي الحالي إلا من حيث المادة الحضارية. لكنها كونية من حيث الصورة: أي إن مخمس المواقف يحصل بصورة كلية فلا تخلو منه حضارة بلغت ما وصفنا بصفة النضوج التاريخي كما يتبين من محاولة ابن خلدون. ويمكن أن نفهم ذلك بالمماثلة مع قانون تراكم الفاعلية التصويرية للوظائف في الظاهرات الحية بفضل توالي أشكال التعضي في الاجسام الحية العينية. فالصورة والمادة في الظاهرات الحية لا توجدان إلا وجود الغاية في التحليل المنطقي للكائن الحي: لا توجد مادة من غير صورة ولا صورة من غير مادة إلا في التجريد الذهني. أما الموجود حقا من الكائنات الحية فهو أثر فاعلية التصوير في المادة أو التصوير وأثر فاعلية التمديد في الصورة أو التمديد وحصيلة العمليتين هي التعيين المادي أو صيرورة الكلي جزئيا (تعين النوع في الفرد أي إن الفرد يحمل خاصيات النوع) والتعيين الصوري أو صيرورة الجزئي كليا (تعميم الخاصيات الشاذة المساعدة على التكيف من الافراد الذين ظهرت فيهم إلى نسلهم أعني أنها تصبح موروثة) في الوجود الفعلي. وأما العامل الثاني أو البعد المعرفي الوجودي فيرجع إلى التنازع الدائم بين بعدي الآلهية (الانسان من حيث هو مدرِك للالهي) و بعدي المألوهية (الله من حيث هو مدرَك للانساني) في عملية الوجود الفعلي حتى في البعد المعرفي لأن ما يقع في الذهن درجة من درجات الوجود إذ لا معنى لأمر موجود ولا يعد من الوجود: المعرفة ضرب من ضروب الوجود. ويصل التنازع إلى حد تحويل نحو الوجدان (بنية عملية المعرفة) و منطق الايجاد (بنية عملية تحقق الموجود) إلى مادة تشكيلية تتحقق بحسب التناظر المطلوب بينهما في مجرى الوجود وفي علمه الذي هو ضرب من ضروب الوجود (وبه يتحدد الانسان). فبعدا الآلهية (الإنساني- الإلهي) الاولان يمكن أن يعتبرا صادرين عن قيس الاول على الثاني بالاطلاق الوهمي مع التشبيه التام للخاصيات الوجودية الفعلية. فمن الكثرانية الجزئية للالهي (لكل قبيلة آلهة متعددة) إلى الكثرانية الكلية (آلهة متعددة مشتركة بين القبائل المتحدة) إلى الوحدانية الجزئية (إله واحد خاص بالقبيلة: رب بني اسرائيل مثلا) إلى الوحدانية الكلية المطلقة (الله في الاسلام). وجملة ذلك تؤلف مفهوم الألهي في حصول العلاقة الصاعدة من الانساني (الوجدان) إلى إلالهي (الايجاد) حصولا فعليا (في الممارسات الحية لكل الشعوب وخاصة في المشاعر والفنون) وحصولا ادراكيا (في الفلسفات الحية لكل الشعوب وخاصة في فلسفة الدين وفلسفة التاريخ): ودلك هو حقا ما يعنيه قص القرآن لتاريخ الفكر الديني. ثم ينعكس الامر فيقاس الالهي على الانساني بشبه تنازل من الوحدانية الكلية (الطبيعة الانسانية) إلى الوحدانية الجزئية (العنصرية) إلى الكثرانية الكلية (بعض النماذج الثقافية تستحق صفة الانسانية) إلى الكثرانية الجزئية (النسبوية الثقافية). وجملة ذلك تؤلف مفهوم الانساني في العلاقة النازلة من الالهي إلى الانساني. وبذلك نفهم لماذا لا يختلف الفكر الحالي عن الفكر الوسيط إلا بشيء واحد. يكفي أن يعوض المرء كلمة الله بكلمة الانسان في كل ما كتب في العصور الوسطى في الثيولوجيا وعلاقة الله بالعالم وبالانساني حتى يجد ما يكتب اليوم في الانثروبولوجيا وعلاقة الانسان بالعالم وبالالهي لو عوض المرء فيه كلمة انسان بكلمة الله. ما يعني أن الفكر الانساني لا يزال حبيس التماثل السطحي بين العالمين الأكبر والأصغر ولكن بمعنيين: المعنى المادي مقايسة للعالم الطبيعي بجسم الانسان والمعنى الروحي مقايسة لما يتصور روح العالم (الله) بما يتصور روح الانسان (النفس البشرية). وتبدو النقلة في بادئ الرأي من الصعود إلى الهبوط من الصدف. لكننا إذا ربطناها بآخر مراحل الصعود وأولى مراحل الهبوط نفهم أمرين يمثلان اليوم قلب التاريخ الكوني: 1- كون الرسالة الخاتمة ليست رسالة جديدة بل تصحيح لتحريف الرسالات السابقة 2- وكون منزلة الاسلام معضلة الحضارة التي حققت كل مراحل النزول إلى حد اعتبار علاجها موضوع الحرب العالمية الرابعة. فاطلاق الوحدانية الكلية للالهي قد تحققت دون منازع في الاسلام. لذلك فإنه يحق لنا أن نعتبره نهاية الصعود ومن ثم الدين الخاتم إذ لم يبق بعد ذلك من تصور للالهي أسمى من التصور الذي حددته عناصر الاخلاص الخمسة بموجبتين وسالبتين وأصلهما المتقدم عليهما: "(قل): { 1- هو } { 2- الله احد (+)} { 3- الله الصمد (+)} { 4- لم يلد ولم يولد (-)} { 5- ولم يكن له كفؤا أحد(-)}". واطلاق الوحدانية الكلية للانساني قد تحققت دون منازع في المسيحية. لذلك فهي قد رمزت لذلك ببنوة المسيح لله. لذلك فإنه يحق لنا أن نعتبر المسيحية بداية النزول الذي اكتمل في النسبوية ما بعد الحداثية غاية للنزول. ويمكن أن نعتبرها بهذا المعنى قابلة للتعريف بعكس معاني الاخلاص الخمسة بمجرد قلب علامتي الايجاب والسلب مع قلب الترتيب أعني بقرأءة السورة من النهاية إلى البداية: "{1- له كفؤ أحد (=ابنه)} {2- ولد (ابن الله) ويلد (كل من يحل فيه المسيح وخاصة البابا)} {3- ليس صمدا (لأنه مؤلف من ثلاثة}{4- وليس أحد (لأن له شركاء)} { 5- وإذن فلا تقل هو (بل قل هم)}". وليست المقابلة من اختراعي. فهي مضمون سورة آل عمران:" ما كان لبشر (عيسى عليه السلام) أن يؤتيه الله الكتاب (النقل) والحكم (العقل) والنبوة (القدرة على الجمع بينهما) {وذلك هو تعريف الرسول في القرآن الكريم} ثم يقول للناس (تبليغ الرسالة) كونوا عبادا لي من دون الله. بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب (التنزيل) وبما كنتم تدرسون (الحكم)" (آل عمران 79). لذلك فهذا الفهم للنقلة من التسامي إلى أكثر تصورات الله تنزيها من التشبيه مع أسمى المخلوقات إلى التداني إلى أكثرها تشبيها به فهم قرآني خالص ليس لي فيه فضل إلا ربطه بتطور التاريخ الفعلي للفكر الديني خاصة مع الكتاب مطبقا على الحكم وموضوعه والفكر الفلسفي عامة مع الحكم مطبقا على الكتاب وموضوعه. وهدفنا من بيان الصلة تحرير المتطفلين على الفكر من المقابلات السطحية بين الديني والفلسفي إلى حد نسيان ما تميز به فكر الحداثة من اعتماد على اصلاح ديني قبل إي اصلاح آخر فضلا عن تعريفها الأكمل عند هيجل بداية وهيدجر غاية بالمنظور المسيحي للاهوت في صلته بالناسوت. لكن تاريخ الدينين المسيحي والاسلامي يفرض علينا علاج المشكل التالي: كيف تقدمت بداية النزول إلى حضيض التشبيه على نهاية الصعود إلى اوج التنزيه ؟ الجواب عن هذا السؤال عسير جدا. لكن علينا قبل علاجه أن نفهم امرين. الأول هو جواب هيجل على ما يناظر هذه المسألة. والثاني هو جواب القرآن الذي نؤخره في تحليلنا لعلاقته بالجواب عن المشكل الثاني. فقد اعتبر هيجل الاصلاح البروتستنتي ثمرة للمخاض الطويل الذي مر به هذا المعنى المسيحي (الذي يعتبره أصل الحداثة أعني اكتشاف الذاتية أو مفهوم الانسان الكلي بتوسط بنوة المسيح لله وموته فداء للانسانية) بالمقارنة مع النجاح السريع المستند إلى الاسلام الذي يعتبره عبادة الكلي المجرد ويطلق عليه اسم الثورة الشرقية التي تلغي كل تعين فتجعل الانسان عبدا لله باطلاق. ومعنى ذلك أن هيجل يعتبر المسيحية آخر الاديان رغم أنه لا ينكر الدين الاسلامي ولا ينفي نبوة محمد بخلاف المفكرين المسيحيين. وإذن فالحل الذي يراه هيجل هو اعتبار الدين المسيحي مر بمرحلتين: ما قبل الاصلاح وما بعده. والمرحلة الاولى مجرد فكرة والمرحلة الثانية تحقيق لتلك الفكرة لأن الذاتية ينبغي أن تمر بمرحلة الوعي لتصل إلى مرحلة الوعي بالوعي ومن ثم فحقيقة المسيحية حسب هيجل هي الاصلاح الجرماني الذي قرأ الانجيل وفهم نصه اليوناني الذي أول بضوئه كتاب التوراة العبراني: وتلك هي العلة العميقة للصراع بين الصهيونية والنازية. فكلتاهما تقول بالشعب المختار دينيا عند الأولى وفلسفيا عن الثانية. وهكذا فقد اجتمعت مراحل النزول من اطلاق إثبات الانسان إلى حد التأليه إلى اطلاق سلبه إلى حد التسفيه فأصبح ريشة في مهب رياح الجدل العضواني(داروين) والتاريخاني (ما بعد الحداثة). أما الثاني فهو الجواب القرآني. وهو ذو درجتين. أولاهما هي الأصل الذي يعتبر الاسلام لا يقبل الترتيب بحسب التوالي الزماني للاديان لانه ليس دينا جديدا. فهو الديني في كل دين طبيعيا كان الديني أو منزلا ومن ثم فهو الأول والآخر. فالدين حسب القرآن هو الاسلام. وهو الفطرة. لكن ذلك لا ينبغي أن يستنتج منه المتعجل أن التوالي الزماني خال من المعنى عند نسبته إلى الاسلام. وتلك هي العلة في وجود الدرجة الثانية من الجواب. فحقيقة الديني في كل الاديان هي ما يذهل عنه الانسان فتصبح نسيا من النسيان يقتضي استئناف البيان. وذلك معنى الذكر في القرآن: التذكير بهذه الحقيقة الواحدة. وهو بذلك متمم مكارم الأخلاق بمعنى أنه الحائل دون الاخلاق التي تنكص بالبشرية إلى الغفلة والنسيان في مجالات القيم الخمسة: قيم الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود. وهو خاتم بهذا المعنى رغم أن الرسالات تامة في كل مرة ولا تحتاج إلى استكمال. إنها جميعا واحدة من حيث الحقيقية الكامنة في كل رسالة متقدمة. لكن الرسالتين الاخيرتين قبل الختم المحمدي أفسدتا الرسالتين الاوليين بما طرأ عليهما من تحريف حولهما إلى عكسهما ولم ينج من التحريف إلا الرسالة الوسطى أعني رسالة ابراهيم عليه السلام لذلك اعتبرها التذكير الخاتم بداية التدبير الحاسم. كيف نجيب الآن عن السؤال أعني كيف نفهم تقدم بداية النزول نهاية الصعود فنعللها بمقتضى ما يجري في التاريخ الفعلي ؟ جوابنا في الحقيقة ليس جوابا عن السؤال في صيغته الساذجة لأنه يقتضي قبل ذلك بيان أعصى المسائل عن الحل في قضية الترتيب من خلال اعتراض بين لكل ذي بصيره على جواب القرآن بدرجتيه عودة من الأخيرة إلى الأولى. وهذا الاعتراض بفرعيه هو عينه حجتا التكذيب بنبوة محمد حجتاه الرئيستان. فما الذي يضمن أن يكون التذكير المحمدي أخيرا ؟ أفتكون الانسانية أصبحت منزهة عن النسيان فتستغني عن استئناف البيان بعد القرآن ؟ الرد بوعد الحفظ لا يكفي لانه لا يقنع به غير المؤمن بالقرآن فلا يكون رد البرهان. وكيف يمكن أن يكون الدين كونيا بالمعنى التوزيعي أي أن يكون لكل أمة نبي بلسانها ثم نزعم القرآن موجها للبشرية كلها بل وللانس والجان لأنه عين الحقيقة الدينية | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||